في مشهد يتكرر يوميًا، يصطف مئات المواطنين في قطاع غزة أمام نقاط بيع الخبز، بانتظار قد يمتد لساعات طويلة، على أمل الحصول على ربطة خبز قد لا تصل في نهاية المطاف. طوابير طويلة، وجوه مرهقة، وأطفال ينتظرون قوت يومهم، في صورة تعيد إلى الأذهان مشاهد المجاعات، لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالًا ملحًا: هل ما يجري في غزة مجاعة حقيقية، أم أزمة مُدارة بفعل عوامل متعددة؟
في ساعات الفجر الأولى، يبدأ المواطنون بالتجمع أمام المخابز، حيث يتحول الانتظار إلى معاناة يومية. يقول يوسف حسونة، الذي يقف لساعات في أحد الطوابير غرب المدينة: "نخرج منذ الصباح الباكر، وننتظر لأكثر من أربع ساعات، وفي كثير من الأحيان نعود دون خبز. الأمر لم يعد يُحتمل، خاصة مع وجود أطفال".

ويضيف لصحيفة "فلسطين": "نشعر أننا نقترب من مرحلة خطيرة، ولا نعرف إن كانت هذه بداية مجاعة أم مجرد أزمة ستنتهي".
مشهد لا يختلف كثيرًا لدى محمد الغلاييني من حي النصر، الذي يؤكد أن الطوابير تتزايد يومًا بعد يوم، بينما الكميات المتوفرة لا تكفي الجميع. ويقول: "حتى عندما ننجح في شراء الخبز، نحصل على كميات محدودة، أما في السوق السوداء فقد ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، ولم تعد في متناولنا".

أما عدي المصري، وهو أب لخمسة أطفال من مخيم الشاطئ، فيصف الوضع بأنه "الأصعب"، مضيفًا: "أصبحت أُقلّل عدد الوجبات لأطفالي. هذا قرار قاسٍ، لكنه واقع نعيشه. نشعر أننا أمام مجاعة حقيقية".
لكن، هل تعكس هذه المشاهد مجاعة فعلية، أم أنها نتيجة خلل في إدارة الموارد؟
يقدّم الباحث الاقتصادي محمد مقداد قراءة مختلفة، إذ يرى أن ما يحدث في غزة لا يمكن فصله عن سوء إدارة الأزمة، إلى جانب عوامل خارجية ضاغطة.
ويقول مقداد، لـ"فلسطين"، إن الأزمة "ليست مجاعة بالمعنى التقليدي القائم على انعدام الغذاء بشكل كامل، بقدر ما هي أزمة مُدارة ناتجة عن اختلالات حادة في منظومة التوريد والتوزيع"، مشيرًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأولى من خلال تقييد دخول المواد الأساسية، وتقليص كميات الطحين والوقود، ما ينعكس مباشرة على إنتاج الخبز.

ويضيف أن هذه السياسات خلقت بيئة هشة، تُفاقمها أدوار جهات أخرى، موضحًا أن آليات التوزيع التي يعتمدها برنامج الأغذية العالمي تفتقر إلى الشمولية والاستدامة، وتعتمد على حلول جزئية لا تعالج جذور الأزمة، بل قد تسهم في تعميقها عبر تقليص الدعم أو عدم انتظام الإمدادات.
كما يشير مقداد إلى عامل ثالث يتمثل في جشع بعض التجار، الذين يستغلون نقص المعروض لرفع الأسعار وخلق سوق سوداء، حيث تُباع ربطة الخبز بأضعاف سعرها الرسمي، ما يضعها خارج متناول الفئات الأكثر ضعفًا.

ويؤكد أن "الخلل في العلاقة بين العرض والطلب، إلى جانب ضعف الرقابة، يفتح الباب أمام هذه الممارسات"، مضيفًا أن الخبز تحوّل من سلعة أساسية إلى أداة ضغط في السوق.
من جهته، حذّر عبد الناصر العجرمي من أن الأزمة مرشحة للتفاقم، في ظل تقليص كميات الطحين والسولار، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج بشكل ملحوظ. وأوضح أن استمرار هذه الظروف قد يدفع بعض المخابز إلى التوقف عن العمل، ما يزيد من حدة الأزمة.
وبين مشاهد الطوابير الطويلة، وارتفاع الأسعار، وتراجع الإنتاج، تتقاطع المعطيات لتؤكد أن غزة تقف على حافة مرحلة خطيرة. فالأزمة، وإن لم تصل بعد إلى مجاعة شاملة، فإنها تحمل ملامحها الأولى، في ظل استمرار القيود المفروضة على القطاع، وتعدد العوامل التي تُغذي هذا الواقع.

في المحصلة، لا تبدو طوابير الخبز في غزة مجرد انعكاس لنقص الغذاء، بل نتيجة أزمة مركبة تتداخل فيها سياسات الاحتلال، وضعف إدارة الموارد، واختلالات السوق. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن الغزي في مواجهة يومية مع رغيف الخبز، الذي بات عنوانًا لمعركة البقاء.

