يشكل الاستيطان بندًا ثابتًا في سياسات حكومات الكيان الصهيوني المتلاحقة، والتي تسعى من خلاله إلى تغيير الميزان الديموغرافي في المناطق الفلسطينية المختلفة، من خلال رفع أعداد المستوطنين في المدينة المقدسة في مقابل خفض أعداد الفلسطينيين، عبر جملة من الاعتداءات تتصل بحرمانهم من السكن، وسحب هوياتهم، ودفعهم للخروج القسريّ من المدينة المحتلة. وشهدت الأعوام الماضية تصاعدًا في مشاريع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، وفي القدس على وجه الخصوص، ونسلط الضوء في هذا المقال على أبرز تطورات الاستيطان خلال السنوات الماضية، مع التركيز على عام 2025، الذي شهد جملة من التطورات المتصلة بالاستيطان.
تصاعد الاستيطان وتوسعه في العقد الماضي
بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان درست "اللجنة اللوائيّة للتنظيم والبناء" التابعة لبلدية الاحتلال في القدس 66 مخططًا هيكليًا لأغراض التوسع الاستيطاني في مستوطنات المدينة المحتلة، وصادقت على 32 مخططًا، وقدمت للإيداع 34 مخططًا آخر، وتضمنت هذه المخططات بناء 7193 وحدة استيطانية على مساحة نحو 1657 دونمًا. وتُسجل المعطيات الفلسطينية تراجعًا للعام الثاني على التوالي، فقد وثق التقرير السنوي حال القدس 2024 مخططات بناء 10386 وحدة استيطانية، في مقابل 7193 وحدة استيطانية في عام 2025.
وعلى الرغم من هذا التراجع إلا أن الاحتلال يراهن على الاستيطان المتدرج، الذي يستطيع من خلاله فرض المزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وتعزيز حضور مستوطنيه في القدس المحتلة، فما بين عامي 2014 و2025 أقرت سلطات الاحتلال مخططات لبناء نحو 131545 وحدة استيطانية جديدة، وهو رقم ضخم جدًا في نحو 11 عامًا، ولا شك أن إقرار هذه المشاريع الاستيطانية، يهدف إلى تكثيف الوجود اليهودي في شطري القدس المحتلة، وتحقيق تفوق في الميزان الديموغرافي للمستوطنين على حساب الفلسطينيين.
أرقام قياسية وتراخيص استثنائية: قراءة في معطيات الاحتلال
أشارت المعطيات الصادرة عن بلدية الاحتلال في القدس المحتلة إلى أرقامٍ مشابهة، فقد نشرت صحيفة كالكاليست الاقتصادية الإسرائيلية تقريرًا يتناول تطور العطاءات الاستيطانية ضمن حدود بلدية الاحتلال في القدس خلال الأعوام الماضية، ومن بينها عام 2025، بناءً على معطيات رسمية من بلدية الاحتلال في القدس، وبحسب التقرير فقد قفزت التراخيص الممنوحة للبناء الاستيطاني في 2025 إلى ثلاثة أضعاف عام 2019، وبحسب التقرير فإن مشاريع بناء الأبراج الشاهقة هي من يقود هذه الزيادات الضخمة.
وبحسب معطيات بلدية الاحتلال، فقد سُجّل رقم قياسي جديد في عام 2025 بمنح تراخيص بناء لـ 8445 وحدة استيطانيّة، مقارنةً بنحو 7701 وحدة استيطانية في عام 2024، و7434 وحدة في عام 2023. وإضافةً إلى أعداد التراخيص هذه التي تمنحها البلدية، كشف التقرير عن نوعٍ آخر من التراخيص التي تمنحها بلدية الاحتلال، ضمن مشاريع ما يُطلق عليه "التجديد الحضري"، وتُشير هذه العبارة إلى إعادة تأهيل الأحياء القديمة أو المتدهورة، من خلال تجديد المباني القائمة، أو هدمها وبناء منشآت جديدة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وقد منحت بلدية الاحتلال 4092 ترخيصًا تحت هذا البند في عام 2025.
ولا تقف التراخيص التي تمنحها بلدية الاحتلال عند رخص البناء فقط، إذ تقوم لجان التخطيط بالموافقة على أعداد ضخمة من الوحدات الاستيطانية، وتأتي هذه الموافقات ضمن المراحل المختلفة التي تسبق منح رخص البناء، ابتداءً من الحصول على التراخيص الأولية أو المبكرة، والمصادقة عليها لدى اللجان المحلية ولجان التخطيط، والتي أقرتها حكومة الاحتلال أو وزاراته في إطار المشاريع، ولكنها لم تصل إلى مرحلة الحصول على تراخيص البناء، وهي المرحلة الأخيرة قبل البدء بالمباشرة بالبناء الفعلي، ففي عام 2025 وافقت أذرع الاحتلال التخطيطية على مخططات 27079 وحدة استيطانية ضمن حدود بلدية الاحتلال في القدس، وتأتي القدس المحتلة في المرتبة الثانية من حيث مخططات البناء في الأراضي المحتلة برمتها، ويُشير هذا الرقم إلى أن الأعوام القادمة ستشهد المزيد من منح تراخيص البناء المرتبطة بهذه المشاريع، ومن خلال هذا التفصيل يُمكن تفسير ما تتضمنه بعض الأخبار خلال أشهر الرصد، حول آلاف الوحدات الاستيطانية التي تقرها سلطات الاحتلال، ولكن الرقم النهائي يكون أقل من مجموعها بكثير، والسبب هو الفارق ما بين رخصة البناء وإقرار المشاريع والمخططات.
مشروع E1 خنق التجمعات البدوية وتمزيق الضفة
شكل مشروع إي 1 أبرز المشاريع الاستيطانية في عام 2025، حيث شهدت أشهر عام 2025 جملةً من التطورات المتصلة بهذا المشروع، والتي شاركت فيها سلطات الاحتلال وأذرعه المختلفة، ففي 14/8/2025 نشرت زارة الإسكان في حكومة الكيان 6 عطاءات استيطانية لبناء 4030 وحدة استيطانية جديدة، من بينها 3300 وحدة في مستوطنة "معاليه أدوميم" ضمن مشروع توسعة يتضمن أيضا مؤسسات عامة وتجارية وصناعية على مساحة تُقدّر بنحو 2500 دونم، وبحسب مصادر عبرية فقد سبق نشر هذه العطاءات رفض "اللجنة الفرعية للاعتراضات" التابعة "للمجلس الأعلى للتخطيط" جميع الاعتراضات المقدمة على المخططات في منطقة "E1"، وأوصت المجلس بالموافقة على الخطط مع تعديلات طفيفة. وهو ما صادقت عليه "اللجنة الفرعية لشؤون الاستيطان" التابعة لحكومة الكيان في 20/8/2025.
وفي 1/9/2025 أعادت منظمة "ريجافيم" الاستيطانية، تقديم التماس جديد إلى محكمة الاحتلال العليا تطالب فيه بالإخلاء الفوري لتجمع "الخان الأحمر" البدوي وهدمه، وجاء التحرك في سياق تحضيرات حكومة الاحتلال استكمال مخطط E1 الاستيطاني، والذي يُهدّد التجمعات البدوية المنتشرة شرق القدس المحتلة، وخاصة تجمعات وادي الجمل والحوض، وجبل البابا، وغيرها. وفي سياق متصل بالمشروع، وقع رئيس وزراء الكيان في 11/9/2025 على تفاصيل إضافية في خطة "إي1"، حيث وقعت حكومة نتنياهو اتفاقية مع بلدية مستوطنة "معاليه أدوميم"، وتضمنت تخصيص نحو 3 مليارات شيكل (نحو 970 مليون دولار أمريكي) لمشاريع بنية تحتية، تمهيدًا لبناء أكثر من 7600 وحدة استيطانية، من بينها 3400 وحدة في منطقة "إي1" وأُبرم الاتفاق بحضور نتنياهو ووزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، وما تسمى بـ"وزارة الإسكان"، وأعضاء "الكنيست" إلى جانب جمعيات استيطانية، وقال نتنياهو تعهدنا من قبل أنه "لن تكون هناك دولة فلسطينية وبالفعل لن تقام أي دولة فلسطينية"، وإلى جانب تقطيع أوصال الضفة الغربية وتعزيز الاستيطان، سيعمل المشروع على ربط مستوطنة "معاليه أدوميم"، بالمنطقة الصناعية "ميشور أدوميم" والمشاريع الأخرى المصادق عليها.
عسكرة القدس: نقل مراكز الثقل الأمني من "تل أبيب"
وإلى جانب العطاءات الاستيطانية، ورخص البناء التي سلطنا عليها الضوء آنفًا، ففي نهاية عام 2025 وقّعت سلطات الاحتلال اتفاقية داخلية تقضي بنقل مشاريع عسكرية ومراكز ثقل أمنية من "تل أبيب" إلى القدس المحتلة. ففي 15/12/2025 وقّع وزير الجيش يسرائيل كاتس، ورئيس بلدية الاحتلال في القدس موشيه ليون، اتفاقية "تعاون إستراتيجي"، تقضي بنقل مشاريع عسكرية وأمنية وُصفت بـ"الدفاعية المهمة" إلى القدس المحتلة، وبحسب صحيفة "يسرائيل هيوم"، تضمنت الاتفاقية إنشاء "برج دفاعي" بارتفاع 30 طابقا عند مدخل المدينة المحتلة، يضم مكاتب وزير الجيش، ورئيس هيئة الأركان، وأقسام هيئة الأركان العامة إلى جانب هيئات أمنية وعسكرية أخرى، ويهدف المشروع إلى تجميع مكاتب الأجهزة الأمنية المختلفة في موقع واحد، وبموجب ذلك، ستُنقل هذه المكاتب من مجمع "الكرياه" في "تل أبيب" إلى القدس.
وتتضمن هذه الاتفاقية تفاصيل كثيرة لما سيحتويه المجمع الجديد في القدس المحتلة، من بينها إنشاء مجمع إضافي بجوار البرج، مخصص لمديرية البحث والتطوير للأسلحة والبنى التحتية التكنولوجية في وزارة الجيش، وسيضم المشروع بنية تحتية تكنولوجية متقدمة بهدف تعزيز مكانة القدس كمركز للابتكار العسكري، ولتلبية "الاحتياجات الأمنية"، وإضافةً إلى ما سبق تنص الاتفاقية على إنشاء متحف جديد للجيش بالقرب من "حديقة القدس النباتية"، لجمع ما يُطلق عليه "التراث العسكري الإسرائيلي"، وتشمل الخطة نقل كليات جيش الكيان من معسكر "غليلوت" في هرتسليا شمال "تل أبيب" إلى منطقة يسهل الوصول إليها داخل القدس المحتلة، على أن تكون مرتبطة بشبكة المواصلات العامة، إلى جانب العديد من المشاريع الاستيطانية الأخرى.
أخيرًا، تؤكد هذه المعطيات محاولة الاحتلال فرض سيطرته الكاملة على المدينة المحتلة، حيث يوسع مخططاته الاستيطانية لتشمل "الاستيطان السيادي والعسكري"، وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية، وخنق التجمعات البدوية، ما يجعل كل واحدة من هذه المشاريع، أداة لفرض الحضور الاستيطاني في القدس المحتلة وتكثيفه، في مقابل تشديد الخناق على الفلسطينيين، وتحويل القدس المحتلة إلى ثكنة استيطانية وأمنية محكمة الإغلاق.