بناءً على قراءة موضوعية لتفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين إيران والولايات المتحدة، نستطيع القول إننا أمام حقيقة يصعب تجاهلها أو إنكارها، وهي أن إيران قد تمكنت من تحقيق انتصار بكل ما تعنيه الكلمة وما تحمله من مؤشرات ومآلات؛ وهو ما يعترف به عدد كبير من المحللين والباحثين الإسرائيليين، أبرزهم الباحث في مركز دراسات الأمن القومي بني سبتّي، الذي وصف الاتفاق بأنه سيئ لإسرائيل ودليل على أن إيران خرجت منتصرة من هذه الحرب. وهو ما أكّده المحلل العسكري آفي أشكنازي، الذي وصف الاتفاق بأنه يمثل تحول مسمى الحرب من زئير الأسد إلى ولولة القطط.
المؤشرات
1. فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهداف الحرب، إذ لم يتمكن الطرفان من إسقاط النظام أو تغييره، أو دفعه نحو حافة الانهيار وإجباره على الاستسلام، أو القضاء على قدراته العسكرية، سواء كانت نووية أو باليستية.
2. قدرة النظام الإيراني على إدارة الحرب والتحكم في مجرياتها، واعتماده على سياسات عمل جديدة بناءً على استخلاص العبر من الجولات السابقة، وتبنيه معادلة التهديد بالتهديد والقصف بالقصف، ما شكّل تحديًا كبيرًا أمام إسرائيل في الوصول إلى مرحلة الحسم أو التفوق.
3. قدرته على إفشال أحد أهم بنود الخطة الإسرائيلية–الأمريكية، التي تمحورت حول إحداث فراغ سياسي من خلال اغتيال قادة المستوى السياسي والعسكري، لتشجيع المعارضين والأكراد على إتمام مهمة إسقاط النظام من الداخل.
4. صمود إيران أمام أقوى الجيوش في العالم والمنطقة: قدرتها على الرد وإلحاق الضرر بالمعتدين حوّلت الحرب من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف موجعة ومكلفة سياسيًا واقتصاديًا لكل من ترمب ونتنياهو.
5. قدرة إيران على فرض شروطها، خصوصًا فيما يتعلق بالسيطرة التامة على مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن، وهو ما يحمل مؤشرات تعزز من نفوذها الإقليمي والدولي باعتبارها قوة استراتيجية فعالة.
6. تكرار الفشل في تقديرات الموقف الأمني والسياسي إسرائيليًا وأمريكيًا، خاصة فيما يتعلق بإمكانية اتساع رقعة الحرب ومشاركة حزب الله والحوثيين، وقدرة إيران على الصمود أمام الهجمات واستيعاب الضربات وامتلاك القدرة على الرد.
7. التوصل إلى وقف إطلاق النار، ولو بشكل مؤقت، يؤكد ما قاله المحلل السياسي بن درور يميني بأن زمن الانتصارات قد ولّى، ما يعني بطلان أهم مبادئ العقيدة الأمنية، وهما القدرة على الحسم وفعالية الردع.
8. تأكيد بطلان فعالية الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، والتداعيات الخطيرة لتجاهل أهمية الدور الدبلوماسي في حل النزاعات وتحقيق الاستقرار.
9. كشفت الحرب عن نقاط ضعف إسرائيل:
• عدم القدرة على حماية الجبهة الداخلية بالكامل في ظل افتقار ثلث مواطنيها إلى تحصينات مناسبة تحميهم من خطر الصواريخ.
• فشل منظومات الدفاع الجوي في توفير حماية كاملة، وتمكن عدد من الصواريخ من الوصول إلى أهدافها، وهو ما يؤثر سلبًا على سمعة ومكانة الصناعات العسكرية لإسرائيل.
• عدم قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل تداعيات الحرب والمكوث في الملاجئ لفترات طويلة، وهو ما يفسر تراجع التأييد للحرب من 74٪ في بدايتها إلى 50٪ بعد شهر؛ عدا عن استطلاع الرأي الأخير الذي أشار إلى استعداد 20٪ فقط من الجمهور الإسرائيلي لتحمل تداعيات استمرار الحرب.
المآلات
1. تراجع مكانة الولايات المتحدة دوليًا وتضرر موقع ترمب داخليًا:
أظهرت استطلاعات الرأي أن نسبة التأييد لسياسته وصلت إلى 36٪ فقط، مع تزايد الحديث عن ضرورة تنحيه للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة وإنقاذ الحزب الجمهوري من تداعيات سياسته، خصوصًا في ظل اقتراب موعد الانتخابات النصفية والخشية من فقدان الجمهوريين للأغلبية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب.
2. تحطم آمال ترمب ونتنياهو في صياغة نظام عالمي جديد ينسجم مع طموحاتهما السياسية وأطماعهما الاقتصادية، وهو ما يفتح المجال أمام إيران للعب دور رئيسي في صياغة النظام العالمي المتشكل.
3. فقدان إسرائيل لاستقلالية القرار:
إن تغييب إسرائيل عن اتخاذ القرار المتعلق باتفاق وقف إطلاق النار، وتفرد ترمب في هذا الجانب، يعزز ادعاءات العديد من المحللين الإسرائيليين بأن إسرائيل باتت تحت الوصاية الأمريكية، وهو ما دفع زعيم المعارضة إلى وصف الاتفاق بأنه يمثل كارثة سياسية واستراتيجية غير مسبوقة لإسرائيل.
4. غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة لدى إسرائيل:
لقد تمكن نتنياهو من اللعب على الوتر الحساس للرئيس ترمب، ونجح في جرّه إلى الحرب على أمل أن تحقق أهدافها وتشكل طوق نجاة لمستقبله السياسي؛ لكن مجريات الحرب وتطوراتها كشفت عن معضلة خطيرة تتمثل في انعدام استراتيجية واضحة للقيادة السياسية في إسرائيل، واقتصار رؤيتها على خطوات—إن لم نقل مغامرات—غير محسوبة لاعتبارات سياسية بحتة، وهو ما دفع بعض المحللين لوصفها بأنها حرب سلامة نتنياهو.
5. تلاشي وغياب صوت العقلاء في إسرائيل خشية اتهامهم بالخيانة، وسيطرة الخطاب الشعبوي بما ينسجم مع انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف.
6. تجاهل مبدأ ضوابط القوة والفجوة بين رغبة السياسيين وتصريحاتهم وبين قدرة الجيش على تلبيتها، في ظل ما يعانيه من أزمة نقص في الجنود وحالة إنهاك بسبب تراكم الأعباء.
7. تداعيات على نتنياهو شخصيًا:
فشله أمام إيران يمثل تراكمًا للفشل في غزة وحزب الله، ما سيقلل من فرص فوزه في الانتخابات القادمة، وهو ما يمثل كارثة ونهاية مخزية لحياته السياسية، وقد يمهد الطريق لإدانته أمام المحكمة في ظل توفر أدلة دامغة تؤكد تورطه في قضايا الفساد.
الخلاصة
الخلاصة التي يمكن للعقلاء استخلاصها من الحرب على إيران هي أن الصمود وامتلاك القدرة والجرأة على رفض الاستسلام قد يكون مكلفًا، لكن ثمنه أقل بكثير من ثمن الانبطاح والرضوخ للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية.