فلسطين أون لاين

تقرير من غزة إلى القدس.. استراتيجية إسرائيلية لفرض معادلات جديدة

...
من غزة إلى القدس_ استراتيجية إسرائيلية.png
غزة/ نور الدين صالح:

في مشهد متداخل ومتصاعد، تتكشف ملامح سياسة إسرائيلية ممنهجة تعمل على إعادة صياغة الواقع الفلسطيني ميدانيًا وسياسيًا، إذ تتداخل فيه أدوات القوة العسكرية مع السياسات الديمغرافية والإجراءات القانونية، ضمن مقاربة إسرائيلية تبدو أكثر شمولاً وتنظيماً من أي وقت مضى.

فالتطورات الجارية في قطاع غزة والضفة الغربية ومدينة القدس، لم تعد أحداثاً منفصلة أو ردود فعل آنية على تطورات أمنية، بل باتت تعكس استراتيجية متكاملة تسعى إلى فرض معادلات جديدة تُعيد تعريف شكل الصراع وحدوده.

هذه الاستراتيجية، كما يراها مراقبون، تقوم على إدارة متزامنة لعدة مسارات: تصعيد عسكري محسوب في غزة يُبقي القطاع تحت ضغط دائم، مقابل توسيع تدريجي للسيطرة في الضفة الغربية عبر الاستيطان والاقتحامات وتفكيك البنية الجغرافية، بالتوازي مع تكريس واقع ديمغرافي جديد في القدس من خلال سياسات الإخلاء والتضييق.

يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، أن ما يجري يعكس "إدارة واحدة للصراع" تعمل بشكل متوازٍ ومترابط، حيث يتم في غزة استخدام القوة العسكرية المكثفة مع استمرار القتل حتى خلال فترات التهدئة، في حين تشهد الضفة تصعيدًا ميدانيًا تدريجيًا عبر الاقتحامات وتوسيع الاستيطان، بينما تتعرض القدس لضغوط مباشرة من خلال سياسات الإخلاء القسري والتضييق على السكن.

ويوضح مناع لصحيفة "فلسطين"، أن هذا الترابط بين الساحات الثلاث، يشير إلى أن الهدف يتجاوز الاعتبارات الأمنية، ليتجه نحو "إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني ديمغرافيًا وجغرافيًا وسياسيًا".

I0mk8.jpg


ووفق مناع، فإن الأهداف الإسرائيلية تتوزع على أربعة محاور رئيسية: إعادة تشكيل التوازن الديمغرافي عبر التهجير، تثبيت السيطرة على الأرض خاصة في الضفة والقدس، فرض معادلة ردع في غزة قائمة على رفع كلفة المواجهة، وأخيرًا استخدام الضغط العسكري كأداة لفرض شروط سياسية في أي تسوية مستقبلية، لا سيما في قضايا السلاح والترتيبات الأمنية.

هذه الأهداف لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل ضمن رؤية شاملة تسعى إلى تكريس واقع جديد، يجعل من أي انسحاب إسرائيلي أو قيام دولة فلسطينية أمرًا أكثر تعقيدًا.

من جهته، يذهب المختص في الشأن الإسرائيلي أمجد شهاب إلى أن جذور هذه السياسة تعود إلى ما قبل عملية طوفان الأقصى، وتحديداً مع تشكيل حكومة الاحتلال عام 2022، التي حملت في برنامجها مطالب واضحة تتعلق بضم الضفة الغربية وفرض السيادة الكاملة عليها، إلى جانب تكريس القدس كعاصمة "موحدة" لـ(إسرائيل).

أمجد شهاب.jpeg

المختص في الشأن الإسرائيلي أمجد شهاب

ويبين شهاب لـ"فلسطين"، أن هذه الأهداف يجري تنفيذها "بشكل تدريجي وصامت"، من خلال توسيع الاستيطان وتهجير السكان، وهو ما ينعكس في تنامي ظواهر الهجرة من بعض مناطق الضفة، نتيجة الضغوط الاقتصادية والأمنية المتزايدة.

تدمير الحياة بغزة

في قطاع غزة، تتخذ السياسة الإسرائيلية بُعدًا أكثر حدة، حيث يصف شهاب الواقع بأنه محاولة ممنهجة "للقضاء على مقومات الحياة"، عبر استمرار الحصار البري والبحري والجوي، ومنع إدخال الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الأدوية.

ويضيف أن الحديث عن إعادة الإعمار أو تحسين الأوضاع الإنسانية يبقى "وهمًا سياسيًا"، في ظل عدم التزام (إسرائيل) بأي من تعهداتها، واستمرارها في استخدام الحصار كأداة ضغط لتحقيق أهداف تتعلق بتجريد الفصائل الفلسطينية من السلاح.

ووفق شهاب، فإن هذا الواقع الإنساني القاسي، الذي يترك مئات الآلاف دون مأوى وملايين تحت ضغط معيشي خانق، يعكس محاولة لإعادة تشكيل غزة ليس فقط أمنيًا، بل ديمغرافيًا واجتماعيًا.

وفي الضفة الغربية، تتخذ عملية فرض الأمر الواقع شكلًا أكثر "هدوءًا"، لكنها لا تقل خطورة، إذ يشير شهاب إلى أن ما يجري هو "ضم غير معلن" عبر التوسع الاستيطاني وتفكيك مقومات السلطة.

أما في القدس، فتتمثل السياسة الإسرائيلية في تكثيف إجراءات التهويد، عبر الإخلاء القسري والتضييق على البناء والسكن، في محاولة لفرض واقع ديمغرافي جديد يعزز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المدينة.

انسداد سياسي

سياسيًا، تفضي هذه السياسات إلى حالة من الانسداد، حيث يرى مناع أن الفجوة بين الشروط الأمنية الإسرائيلية ومطالب الانسحاب الفلسطيني تجعل من أي مفاوضات أمرًا بالغ التعقيد.

كما أن استمرار العمليات العسكرية يخدم – في الداخل الإسرائيلي – بقاء الحكومة ويؤجل الحسم السياسي، بينما يظل الضغط الدولي في إطار الإدانة دون أن يتحول إلى أدوات إلزام حقيقية، وهو ما اعتبره مناع، "إدارة صراع مفتوح" دون أفق واضح لتسوية قريبة.

في ضوء المعطيات الحالية، توقع المحللان عدة سيناريوهات فالأقرب يتمثل في استمرار الوضع الراهن، مع عمليات عسكرية محدودة في غزة وتصعيد تدريجي في الضفة والقدس.

كما يبرز احتمال تهدئة جزئية في غزة، لكنها ستكون – وفق التقديرات – مؤقتة وهشة، في حين يبقى احتمال اتساع التصعيد في الضفة قائمًا مع تزايد الاحتكاك والاستيطان.

أما السيناريو الأبعد، فيتعلق بإمكانية تصاعد الضغط الدولي، لكنه – حتى في هذه الحالة – سيبقى بطيئًا وغير قادر على إحداث تغيير سريع في الواقع.

ويشدد مناع على ضرورة تحرك عربي يتجاوز حدود المواقف السياسية إلى استخدام أدوات ضغط فعلية، وربط أي انخراط إقليمي بوقف الإجراءات الإسرائيلية، داعياً إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى الإلزام، عبر توفير حماية حقيقية للمدنيين.

أما فلسطينيًا، فيؤكد على أهمية توحيد القرار السياسي، وبناء خطاب وطني موحد يربط بين مختلف الساحات، إلى جانب تفعيل العمل القانوني والإعلامي بشكل منظم ومستمر.

في المقابل، يحذر شهاب من أن استمرار الواقع الحالي يعني الوصول إلى مراحل متقدمة من حسم الصراع لصالح (إسرائيل)، في ظل ما وصفه بتآكل الأرض والحقوق وتراجع الفعل السياسي.

 

المصدر / فلسطين أون لاين