قائمة الموقع

من الرّضع إلى المُسنّين.. دواء مُحاصَر ووجع يتفاقم في غزة

2026-04-07T16:18:00+03:00
صورة من الأرشيف
فلسطين أون لاين

بأناملها الصغيرة، تُمسك الرضيعة رضا قريقع بثوب أمها التي تصول وتجول بها بين مستشفيات غزة في رحلةٍ بدأت مبكرًا عندما كانت جنينًا لم يُولد بعد وأصيبت بشظية إسرائيلية تسببت لها بمشكلات بالأعصاب والنخاع الشوكي.

ومع اقتراب بلوغها العام الأول من عمرها، تواجه رضا تزامنا مع يوم الصحة العالمي الذي يوافق 7 أبريل/نيسان سنويا، مصاعب في تلقي العلاج اللازم لشفائها مع مواصلة الاحتلال التحكم بالمعابر المؤدية إلى قطاع غزة بالقوة العسكرية ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة في ظل منظومة صحية توصف بأنها شبه منهارة بسبب حرب الإبادة الجماعية.

على عجل، صدّقت والدتها فاتن قريقع تقريرًا طبيًّا من مستشفى الشفاء بغزة لتنتقل لمحطات أخرى في طلب العلاج لرضيعتها التي تأخرت عن المشي، قائلة لصحيفة "فلسطين": قصة رضا بدأت وهي في بطني بعد قصف بيت عمي، حينها سقطتُ أرضًا وأصبتُ بقدمي، وفي المستشفى طلب مني الطبيب الاطمئنان على الجنين لتُكتشف إصابتها آنذاك.

تضيف والدتها التي بدت وكأنها تسابق الزمن، أن طفلتها خضعت لعملية طبية، لكنها تحتاج الآن إلى إبر علاجية خاصة بالأعصاب غير متوفرة في قطاع غزة وهي مهمة لمساعدة رضا على المشي.

تعجز فاتن أيضًا عن توفير حذاء طبي لطفلتها لعجزها عن توفير ثمنه، نافية حصولها على أي مساعدات من أي مؤسسة دولية لتوفير العلاج أو الحذاء الطبي.


وفي لحظة بدت فيها كأنما يفترسها اليأس، استدارت فاتن مع طفلتها التي وزعت نظراتٍ بريئة، نحو وجهتها الجديدة لطلب العلاج الذي يجعل منه الحصار مستحيلاً.

أمام بوابة مستشفى الشفاء التي دمرها الاحتلال في خضم الحرب، تحاملت صبحية عبد رب النبي (72 عاما) على نفسها لتجر قدميها الثقيلتين وتتكئ على عكاز في طريقها إلى الطبيب الذي تتردد عليه أملا في شفاء تتمناه منذ زمن.

 كان عكازها يسبق خطواتها ويتلمس لها طريقها، وهي تئنُّ من وجعها الساكن فيها منذ ما قبل الحرب وتفاقم مع اندلاعها عام 2023. بصوتها المتقطع، تقول صبحية لصحيفة "فلسطين"، إنها تعاني من غضروف في ظهرها يسبب لها مشكلات في قدميها ويعيق مشيها منذ ثلاث سنوات، كما أنها مصابة بأمراضٍ أخرى.


تضيف: أحتاج لأدوية الضغط والغدة الدرقية والمعدة ولتحسين سيولة الدم ومسكنات للعظام، ولا تتوفر دائما. نبحث عنها في الصيدليات، أحيانا نجد بعضها ونتمكن من شرائها وفي أوقات أخرى لا.

لستة أشهر انقطع دواء الغدة الدرقية عن المسنة صبحية، قبل أن تحصل على بعض منه عبر منظمة دولية دون أن تضمن تلقي الكميات المناسبة أو استمراريتها، كما أنها لا تزال تواجه مصاعب في الحصول على الأدوية الأخرى، مشيرة إلى صعوبة في قدرتها على السير.

وتوضح أنها كانت تضطر في كثير من الأحيان إلى تناول حبة دوائية واحدة في اليوم بدلا من اثنتين لعدم توفره.

وكانت صبحية تقطن في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وقصف الاحتلال منزلها لتواجه رحلة نزوح قسري تصفها بأنها مريرة.

في مشهد آخر مليء بالألم وعلى كرسي متحرك، كانت الستينية آمال غانم تذرف دموعها تحت وطأة شمس الظهيرة في مستشفى الشفاء. تعرضت آمال لإصابة خلال الحرب بينما كانت في خيمة النزوح القسري شمال مدينة غزة، فاقمت من معاناتها لاسيما مع إصابتها بجلطة.


تقول السيدة لصحيفة "فلسطين": إنها أصيبت وسقطت أرضًا عندما قصف الاحتلال مدرسة مجاورة، ما أدى إلى كسر في مفصلها، ومضاعفات في قدمها اليمنى التي بُترت لاحقا.

وتتكبد آمال وعائلتها عناء البحث في الصيدليات عن أربعة أنواع من الأدوية اللازمة لها وشرائها إن وجدت على نفقتها الخاصة، ما يحرمها في كثير من الأحيان من الحصول عليها، أو يضرها إلى تقليص الكميات المطلوبة.

"الله يبعد عنك شر الوجع، الليل ما بنامه..."، بهذه الكلمات تشرح آمال حالها في ظل الكارثة الإنسانية والصحية بغزة، ردّا على سؤال حول تداعيات عدم حصولها على العلاج على حالتها.

تشير ابنتها إلى أن والدتها تحتاج أيضا إلى الحفاضات ولا تملك القدرة الشرائية لتوفيرها، لاسيما أن أباها متعطل عن العمل وأصيب بجلطة أقعدته منذ 15 سنة.

وفي ظل هذه المعاناة، تقيم العائلة حاليا في خيمة نزوح ببلدة بيت لاهيا لا تبعد كثيرا عما يسمى الخط الأصفر الذي يسيطر الاحتلال بموجبه على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة من شماله إلى جنوبه بالقوة العسكرية، وهو ما يعرضها لمخاطر محدقة يوميا، ويعيق تحركاتها من وإلى المستشفى.

وتسّلط معاناة رضا وصبحية وآمال الضوء على واقع يوصف أمميا وفلسطينيا بأنه كارثي إنسانيا وصحيا. ويقول المدير الطبي لمجمع الشفاء الطبي د.حسن الشاعر، إن المنظومة الصحية في قطاع غزة شبه منهارة، مشيرًا إلى أن الوضع الصحي بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ازداد سوءًا.

ويضيف الشاعر لصحيفة "فلسطين": حكومة الاحتلال أغلقت جميع المعابر ولم تسمح بدخول أي من المستلزمات الطبية إلى قطاع غزة، ما سبب معاناة شديدة بالنسبة لتلك المستلزمات والأدوية وإجراء العمليات الجراحية لعدد كبير من المصابين الذين يحتاجون لمراكز متقدمة لإجراء هذه العمليات.

ويصف المعاناة الإنسانية على الصعيد الصحي بأنها شديدة، متابعا: إلى جانب المصابين، هناك مجموعة أخرى من المرضى تعاني كحالات السرطان الذين يفتقرون إلى 85% من الأدوية الخاصة بهم وإلى الأجهزة الطبية المساعدة غير المتوفرة في غزة، والكثير منهم يموتون أمام أعيننا ولسنا قادرين على مساعدتهم.

وإضافة إلى ذلك، يشير الشاعر إلى معضلة بيئية كبيرة تتمثل بالقوارض التي تتزايد بأعداد كبيرة في القطاع نتيجة مئات الآلاف من الأطنان من الركام وانتشار القمامة ومياه الصرف الصحي في ظل بنية تحتية مدمرة بفعل الحرب، ما شكل بيئة لتكاثر القوارض التي بدأت تغزو الخيام وما تبقى من المنازل.


 

ويناشد الشاعر جميع المنظمات الإنسانية والصحية والدول المناصرة للقضية الفلسطينية الضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال جميع المستلزمات الطبية والصحية التي تُمكّن من تقديم الخدمة الصحية للمواطنين في القطاع.

وفي ظل هذا الواقع الصحي الكارثي الذي يثقل كاهل الغزيين، لا تُختبر الحياة بسنوات العمر، بل بقدرة الجسد على الصمود في وجه الألم والحرمان، وتبقى حكايات رضا وصبحية وآمال شاهدًا حيًا على وجعٍ مستمر، وأملٍ لا يموت رغم كل ما يُغلق في وجهه.

 

 

اخبار ذات صلة