فلسطين أون لاين

تقرير أطفال الدحدوح بين الانتظار وشبح الإعدام... معاناة عائلة أسير تهددها لحظة الغياب

...
أطفال الدحدوح بين الانتظار وشبح الإعدام... معاناة عائلة أسير تهددها لحظة الغياب
غزة/ جمال غيث:

في كل صباح، تستيقظ نجاح الريفي على قلقٍ لا يغادر قلبها، تراقب أطفالها الستة وهم يفتحون أعينهم على يوم جديد، في حين يثقل صدرها خوف دائم من خبر قد يأتي في أي لحظة: تنفيذ حكم إعدام بحق زوجها الأسير محمود الدحدوح ورفاقه.

ومنذ إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، يوم 30 مارس/آذار 2026، لم يعد الخوف احتمالًا بعيدًا، بل تحوّل إلى واقع يهدد كل تفاصيل حياتها.

طالع المزيد: خبيرة أممية: قانون إعدام الأسرى يُنذر بانتهاك الحظر المطلق للتعذيب

وتبدو علامات الإرهاق واضحة على وجه الريفي، وهي أم لم تمضِ على زواجها سنوات طويلة، لكنها تحمل اليوم عبئًا يفوق طاقتها. فأكبر أطفالها لم يبلغ التاسعة بعد، وأصغرهم لا يزال في عامه الثالث، وجميعهم يكررون السؤال ذاته: "متى سيعود أبي؟" سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يمزق قلب أم لا تملك إجابة.

نقطة فراق

وتستعيد الريفي تفاصيل اللحظة التي انقلبت فيها حياتهم رأسًا على عقب، قائلة لمراسل صحيفة "فلسطين": في 15 ديسمبر/كانون الأول 2023، وخلال موجة النزوح القسري التي عاشها سكان قطاع غزة، لجأت العائلة إلى ملعب اليرموك في مدينة غزة، بعد أن اضطرت لمغادرة منزلها في حي تل الهوى نتيجة التوغل العسكري.

وتضيف، وعلامات الحزن بادية على وجهها: "كنا نظن أن الملعب سيكون ملاذًا آمنًا، لكنه تحول إلى نقطة فراق قاسية".

وتروي أن قوات الاحتلال اقتحمت المكان فجرًا، وبدأت بفصل الرجال عن النساء والأطفال. وفي لحظات مرتبكة ومشحونة بالخوف، اقتيد زوجها محمود (33 عامًا) إلى جهة مجهولة، فيما تُركت هي مع أطفالها في حالة من الذهول والصدمة. ومنذ تلك اللحظة، لم تره إلا عبر روايات الأسرى المحررين وبعض المحامين.

وتقول: "لم يكن وداعًا، لم أستطع حتى أن أقول له انتبه لنفسك"، مضيفة بصوت متقطع: "أطفالي كانوا يصرخون ويمسكون بملابسه، لكن الجنود أبعدوهم عنه بالقوة".

لاحقًا، علمت العائلة أن محمود نُقل بين عدة سجون، قبل أن يستقر في سجن "نفحة" الصحراوي.

وتشير، نقلًا عن أسرى مفرج عنهم، إلى أنه تعرض خلال هذه التنقلات للضرب والإهانة، ما أدى إلى فقدانه وزنًا كبيرًا وإصابته بآلام ورضوض في أنحاء جسده.

لكن المعاناة، بحسب الريفي، لم تتوقف عند هذا الحد، فمع إقرار قانون إعدام الأسرى، تضاعف القلق وتحول إلى هاجس يومي يلاحقها وأطفالها. فالقانون ينص على تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بحق الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين ضمن ما يُصنف "عملًا إرهابيًا"، دون إمكانية للعفو أو تخفيف الحكم، وخلال فترة زمنية قد لا تتجاوز 90 يومًا من صدور الحكم.

سجن مفتوح

وترى الريفي أن هذا القانون لا يستهدف الأسرى فقط، بل عائلاتهم أيضًا، قائلة: "نحن نُعاقب كل يوم، ليس فقط هو في السجن، بل نحن هنا نعيش سجنًا مفتوحًا من الخوف والانتظار".

وتشير إلى أن أطفالها باتوا أكثر تعلقًا بها، ويعانون من القلق واضطرابات النوم، فيما يرفض أصغرهم النوم إلا وهو ممسك بملابس والده.

فمحمد، الابن الأكبر، يحاول أن يبدو قويًا، لكنه كثيرًا ما يختبئ ليبكي بعيدًا عن إخوته. أما نعيم وأحمد، فيقضون وقتهم في رسم صور لوالدهم، يحيطونه بقلوب وكلمات بسيطة: "نحبك يا أبي".

في حين لا تدرك الطفلتان، ريتال وريتان، تمامًا ما يحدث، لكنهما تشعران بغياب الأب الذي كان يملأ البيت حياة.

وتقول نجاح: "أخاف أن يكبروا وهم يحملون ذكرى أن والدهم أُعدم. كيف سأشرح لهم ذلك؟ كيف يمكن لطفل أن يفهم أن والده قد يُقتل بقرار ظالم؟!".

وأثار إقرار القانون مخاوف واسعة بين عائلات الأسرى، خاصة في ظل غياب ضمانات المحاكمة العادلة في المحاكم العسكرية، وفق ما تؤكد مؤسسات حقوقية.

كما أن النص على عدم إمكانية العفو يجعل الحكم نهائيًا، ويغلق أي أمل في إنقاذ حياة الأسرى في حال صدوره.

طالع المزيد: مؤسسات الأسرى: "قانون الإعدام" يمثل المرحلة الأخطر في تاريخ الحركة الأسيرة

وبحسب إحصائيات نادي الأسير الفلسطيني، يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال نحو 9500 أسير، يعيشون ظروفًا قاسية، فيما ارتفع عدد من قضوا داخل السجون إلى 326 منذ عام 1967، نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي.

وترى عائلات الأسرى أن القانون الجديد يمثل تصعيدًا خطيرًا، ليس فقط من الناحية القانونية، بل الإنسانية أيضًا، إذ يحوّل حياة آلاف الأسر إلى حالة ترقب دائم للفقد.

ولا تعيش نجاح الريفي هذا القلق وحدها في قطاع غزة، بل تشاركها مئات الزوجات والأمهات اللواتي أصبحن يخشين أن يتحول الاعتقال إلى حكم نهائي بالموت. ومع ذلك، تحاول التمسك بخيط أمل، ولو كان ضعيفًا.

وتقول، وهي تنظر إلى أطفالها: "نريد فقط أن يعود إلينا، أن يعيش معنا، هذا حقه وحق أطفاله". ثم تضيف: "نحن لا نطلب المستحيل، نطلب الحياة فقط".

المصدر / فلسطين أون لاين