كشفت وفاة الأسير المحرر رياض العمور في العاصمة المصرية القاهرة حالة الإهمال التي يتعرض لها الأسرى من السفارة التابعة للسلطة، وعدم الاستجابة لمناشدات عشرات الأسرى الموجودين هناك، إضافة إلى استمرار قطع السلطة رواتبهم.
ووجهت اتهامات للسفارة بضعف المتابعة من الجهات الرسمية في الخارج، ما يسلط الضوء مجددًا على واقع معقد يعيشه عدد من الأسرى المحررين الذين يتلقون العلاج في مصر، وسط شكاوى متزايدة من نقص الرعاية الصحية وعدم انتظام الدعم المالي.
طالع المزيد: استشهاد الأسير المحرَّر والمُبعَد إلى مصر رياض العمور
وتشير إفادات عدد من الأسرى المحررين إلى أنهم يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على العلاج اللازم، خصوصًا أولئك الذين يعانون أمراضا مزمنة أو إصابات ناتجة عن سنوات الاعتقال. ويؤكد بعضهم أن تكاليف العلاج في المستشفيات المصرية مرتفعة، في حين لا تتوافر تغطية مالية كافية من الجهات الرسمية، ما يضطرهم أحيانًا إلى تأجيل العلاج أو الاعتماد على مبادرات فردية ومساعدات محدودة.
واستشهد رياض العمور (56 عاماً) الجمعة، بعد صراع مع المرض، نتيجة تعرضه لإهمال طبي إلى جانب التعذيب في سجون الاحتلال، ما أدى إلى تدهور وضعه الصحي، وفقدان السمع في إحدى أذنيه. وقضى الشهيد 23 عاماً في سجون الاحتلال قبل إطلاق سراحه في صفقات تبادل الأسرى الأخيرة بين المقاومة والاحتلال.
وقرر رئيس السلطة محمود عباس، أول من أمس، تشكيل لجنة للتحقيق في المسؤولية الطبية عن استشهاد الأسير المحرّر رياض العمور، وتضمن القرار وقف المستشار الطبي في السفارة الفلسطينية في القاهرة فادي كساب عن العمل إلى حين انتهاء لجنة التحقيق.
وأكد الأسير المحرر ( م. ع) أحد الأسرى المحررين المتواجدين في القاهرة، أن المعاناة لم تنتهِ بالخروج من السجن، بل بدأت مرحلة جديدة من التحديات، أبرزها البحث عن العلاج وتأمين تكاليفه.
وأوضح (م. ع) لصحيفة "فلسطين" أن غياب جهة واضحة تتحمل المسؤولية يزيد من تعقيد الوضع. وأضاف آخر أن “العديد من الحالات المرضية تحتاج إلى متابعة مستمرة، لكن عدم انتظام التحويلات المالية أو تأخرها يعرقل استكمال العلاج”.
وبين أن ما حصل مع العمور دليل على الإهمال الطبي الذي يتعرض له الأسرى وحرمانهم من أدنى حقوقهم في الحصول على حقهم في العلاج.
كذلك، أكد الأسير المحرر من حركة فتح والمُبعد إلى مصر، منتصر أبو غليون، أن الأسرى المحررين لم يتلقوا رواتبهم منذ نحو ستة أشهر، موضحًا أن ما وصلهم خلال هذه الفترة لم يتجاوز وعودًا وصفها بـ"الكاذبة".
وقال أبو غليون: إن "اتفاقًا جرى سابقًا يقضي بإحالة الأسرى المحررين إلى التقاعد، وقد طُبّق بشكل مبدئي على نحو 820 أسيرًا محررًا، غالبيتهم من حركة فتح في الضفة الغربية، إلا أنهم فوجئوا قبل يومين بقطع هذه الرواتب دون سابق إنذار".
وأضاف أن الذريعة المقدمة كانت أن القرار صادر عن رئيس الحكومة محمد مصطفى، ويتضمن عدم صرف رواتب للأسرى الذين أُفرج عنهم ضمن صفقة التبادل، متسائلًا عن اعتبار هذه الرواتب وكأنها تُمنح على سبيل المِنّة.
طالع المزيد: فصائل فلسطينية تدين قرار السلطة قطع رواتب عائلات الشهداء والأسرى
وأشار إلى أن عشرات الأسرى المحررين يواجهون مشكلة إضافية تتمثل في رفض البنوك فتح حسابات مصرفية لهم، ما يحرمهم من إمكانية استلام أي رواتب أو مستحقات مالية.
وأكد أبو غليون أن وفودًا من قيادة حركة فتح تزور القاهرة بين الحين والآخر، إلا أنها – بحسب قوله – لا تتابع قضية الأسرى المحررين، بل تنشغل بترتيبات عقد المؤتمر الثامن للحركة المقرر في مايو/أيار المقبل.
وقال إن جبريل الرجوب، المسؤول عن ملف أزمة الأسرى في حركة فتح، لا يقدم إجابات واضحة عند مراجعته بخصوص الرواتب، حيث يكتفي بالقول إنه "لا يملك إجابة".
وأضاف أن الأسرى المحررين نفذوا اعتصامات داخل مقر السفارة الفلسطينية في القاهرة، مشيرًا إلى أن حسين الشيخ، بصفته نائب الرئيس، تواصل معهم ووعد بصرف الرواتب قبل شهر رمضان، إلا أن هذا الوعد لم يُنفذ، بل جرى قطع الرواتب التي كانت تُصرف سابقًا.
وأكد أن قطع الرواتب يتم بشكل متعمد بهدف نزع الحماية عن الأسرى وذويهم والمحررين، مشددًا على أنهم يمرون بظروف صعبة، ومتسائلًا عن أسباب معاقبة مناضلي حركة تحرر وطني.
وأشار إلى أن قرار عباس المتعلق بمخصصات الأسرى كان خاطئًا، وأدى إلى إلحاق الأذى والجوع بالأسرى وذويهم، موضحًا أن الأسرى يعانون داخل السجون، فيما تعاني عائلاتهم خارجها من أوضاع معيشية قاسية.
وقال أبو غليون إن قضية الأسرى لا تخضع للمقايضة أو التفاوض، معتبرًا أن التفريط بها يُعد تضييعًا للأمانة، داعيًا قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الأسرى والمحررين في مختلف أماكن وجودهم.
وأكد أنهم يتعرضون للعقاب في وقت يعاني فيه الشعب الفلسطيني من ظروف قاسية نتيجة الاحتلال، مشددًا على أن قضية الأسرى ليست مادية فقط، بل تحمل أبعادًا معنوية ووطنية.
وأضاف أنهم تلقوا وعودًا عديدة من اللجنة المركزية لحركة فتح، إلا أنها لم تُنفذ، لافتًا إلى أن الردود التي يتلقونها من القيادات تقتصر على عبارات عامة دون حلول عملية. وبين أن الظروف التي يعيشها الأسرى المحررون صعبة للغاية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو في أماكن الإبعاد، مؤكدًا أنهم لا يسعون إلى خلاف مع السلطة الفلسطينية، لكنهم ينتظرون تنفيذ الوعود التي لم تتحقق حتى الآن.