فلسطين أون لاين

تقرير الأقصى خلف بوابات مغلقة.. قلب القدس يتوقف عن الخفقان

...
إغلاق المسجد الأقصى لليوم الـ 38
القدس المحتلة-غزة/ عبد الله التركماني

في مدينةٍ تُقاس فيها الأيام بالأذان، ويُعرَف الزمن بخطوات المصلين نحو الأبواب، يقف المسجد الأقصى اليوم وحيدًا خلف بواباتٍ حديدية مغلقة، كأن المدينة فقدت قلبها فجأة. وللمرة الأطول منذ عام 1967، يُترك الأقصى بلا مصلين، وبلا ضجيج الأطفال في ساحاته، وبلا صفوف المصلين التي كانت تمتد كأنها نهرٌ من البشر.

في الأزقة القريبة، يصلي المقدسيون على الإسفلت والحجارة، ويفرشون إيمانهم على الأرض لأن أبواب المسجد أُغلقت في وجوههم. هذا الإغلاق ليس مجرد إجراء أمني كما يُقال، بل هو مشهد ثقيل من العزل والفراغ، ومحاولة لسرقة المكان من أهله بصمت، وكتابة واقع جديد بلا صوت الأذان ولا وقع الخطوات على بلاط الساحات.

ومع كل يوم يبقى فيه الأقصى مغلقًا، يشعر الفلسطينيون أن بابًا من تاريخهم يُغلق، وأن معركة المكان لم تعد فقط على الأرض، بل على الوجود والهوية والذاكرة أيضًا.

انتزاع الروح

في منزل يطل على المسجد الأقصى، وبالقرب من باب الحديد، أحد أبواب المسجد المبارك، تعيش المرابطة المقدسية عايدة الصيداوي. تستيقظ كل صباح على مشهد القبة الذهبية، لكنها منذ أسابيع لا تستطيع الوصول إليها، بعد أن أُغلقت أبواب المسجد أمام المصلين، في أطول إغلاق يشهده الأقصى منذ عام 1967.

Mzyws.jpg

المرابطة المقدسية، عايدة الصيداوي

تقول الصيداوي لـ  "فلسطين أون لاين" إن أصعب ما في الإغلاق ليس فقط منع الصلاة، بل "الشعور بأن المسجد يُترك وحيدًا".

تجلس يوميًا قرب نافذتها المطلة على الساحات، تراقب الجنود عند الأبواب، وتستعيد سنوات الرباط الطويلة، حين كانت تدخل المسجد يوميًا وتصلي الفجر فيه. وتقول: "كنا نقول إن المرابط يحرس الأقصى، لكن اليوم نشعر أن الأقصى هو من يحتاج من يحرسه، حتى وهو مغلق".

وتصف أيام الإغلاق بأنها ثقيلة على المقدسيين، موضحة أن الأقصى بالنسبة لهم ليس مكان صلاة فحسب، بل حياة كاملة. وتضيف: "عندما يُغلق الأقصى، تُغلق القدس كلها. الأسواق تفرغ، والبلدة القديمة تصبح حزينة، وكأن الروح خرجت منها".

وتشعر الصيداوي بغضب وحزن في آنٍ واحد، خاصة في ظل انشغال العالم بالحروب والأزمات، مؤكدة أن أخطر ما في الأمر هو الصمت. وتقول: "ليس أصعب من الإغلاق إلا أن يُغلق المسجد والعالم صامت، كأن الأقصى ليس للمسلمين".

اقرأ أيضًا: إغلاق الأقصى لليوم الـ36 يثير تحذيرات من مخططات إسرائيلية خطيرة

وتوجه رسالة إلى العرب والمسلمين قائلة: "نحن هنا نبقى في القدس ونحرس الأقصى بوجودنا، لكن الأقصى ليس مسؤولية المقدسيين وحدهم. إذا تُرك الأقصى وحده اليوم، فقد لا يبقى كما نعرفه غدًا. لا نريد سوى أن نصلي فيه بحرية، وألا يتحول إغلاقه إلى أمر عادي".

وتختم حديثها وهي تنظر نحو القبة الذهبية: "أخاف أن يعتاد الناس خبر إغلاق الأقصى، لأن أخطر ما قد يحدث للقدس أن تتحول مأساتها إلى خبر عادي".

أكثر من مجرد صلاة

لم يكن يوم محمد العلمي يكتمل دون المرور عبر أبواب المسجد الأقصى، ممسكًا بيدي طفليه، يسير بهما في أزقة البلدة القديمة نحو الساحات الواسعة التي اعتاد أن يزرع فيها ذكرياتهما الأولى. كان يرى في تلك الرحلة اليومية أكثر من مجرد صلاة؛ بل درسًا في الانتماء، وطقسًا عائليًا لا يُفرّط فيه.

يقول العلمي، وهو شاب مقدسي يبلغ (35 عامًا)، لـ"فلسطين أون لاين": "كنت آخذ أطفالي كل يوم تقريبًا إلى الأقصى، ليس فقط لنصلي، بل ليشعروا أن هذا المكان جزء منهم، وأنهم جزء منه".

في باحات المسجد، كان أطفاله يركضون بحرية، يطاردون الحمام، ويجلسون إلى جواره بعد الصلاة، يطرحون أسئلة صغيرة عن القبة الذهبية، وعن الحجارة القديمة، وعن سبب حب الناس لهذا المكان.

ويبتسم وهو يستعيد تلك اللحظات: "كنت أقول لهم إن الأقصى ليس مجرد مسجد، بل هو حكايتنا وتاريخنا وكرامتنا. أردت أن يكبروا وهم يعرفون ذلك".

لكن مع إغلاق المسجد، انقطعت تلك الرحلة اليومية فجأة، وكأن جزءًا من حياتهم انتُزع منهم.

يقول بصوت مثقل: "الأصعب ليس أننا حُرمنا من الصلاة فقط، بل حُرم أطفالي من الأقصى نفسه. لم يعودوا يرونه، ولم يعودوا يركضون في ساحاته. هذا فراغ كبير في حياتهم".

اقرأ أيضًا: "أفيقوا قبل أن يهدم".. صرخة من قلب غزة للمسلمين لنجدة الأقصى

يحاول العلمي أن يشرح لطفليه سبب الإغلاق، لكن الكلمات تبدو عاجزة أمام أسئلتهما البسيطة: "يسألونني: لماذا لا نذهب إلى الأقصى؟ لماذا يمنعنا الجنود؟ لا أجد جوابًا يقنع طفلًا. أقول لهم: سنعود قريبًا، لكنني في داخلي لا أعرف متى".

وبينما يقف أحيانًا في أحد الأزقة القريبة، وينظر نحو الأبواب المغلقة، يشعر بثقل الغياب، ويقول: "كنا نصلي هناك ونشعر بالطمأنينة، الآن نصلي في الشارع، لكن الشعور ليس نفسه. الأقصى له روح، ومن يُحرم منه يشعر أن شيئًا كبيرًا ناقص في حياته".

ويخشى أن يكبر أطفاله بعيدين عن تلك التجربة التي شكّلت جزءًا من طفولته: "أنا كبرت في الأقصى، لعبت فيه، وصليت فيه، وتعلمت فيه. أخاف أن يُحرم أطفالي من هذه الذاكرة، وأن يصبح الأقصى بالنسبة لهم مجرد قصة أحكيها لهم".

يصمت قليلًا، ثم يضيف: "أكبر خسارة ليست في إغلاق الأبواب، بل في قطع العلاقة بين الجيل الجديد والأقصى. إذا لم يعيشوه، كيف سيدافعون عنه؟".

ويختم: "الأقصى ليس مكانًا نزوره، بل مكان نعيش فيه. وعندما يُغلق، نشعر أننا نحن من أُغلق علينا".

مسار سياسي أيديولوجي

يقول المختص في شؤون القدس، راسم عبيدات، لـ"فلسطين أون لاين"، إن إغلاق المسجد الأقصى المتواصل منذ 28 فبراير 2026 يُعد الأطول منذ حرب يونيو 1967، ولا يمكن فهمه كإجراء أمني مؤقت، بل كجزء من مسار سياسي أيديولوجي يهدف إلى تغيير الواقع التاريخي والقانوني والديني للمسجد.

راسم عبيدات.jpg

المختص في شؤون القدس، راسم عبيدات

ويوضح أن (إسرائيل) انتقلت من محاولات التفجير والهدم المباشر، كما حدث في حريق الأقصى عام 1969 ومحاولات التسعينيات، إلى ما يُعرف بـ"استراتيجية التفكيك الصامت"، التي تستهدف المعنى والهوية، وليس المكان فقط.

ويضيف: "تقوم هذه الاستراتيجية على إعادة تشكيل السيادة داخل الأقصى تدريجيًا، من خلال تقليص الوجود الإسلامي، وفتح المجال أمام المستوطنين لأداء طقوسهم التلمودية في الساحات، وصولًا إلى فرض واقع ديني مشترك تمهيدًا للسيطرة الكاملة".

ويشير عبيدات إلى أن القوانين التي يجري الدفع بها داخل الكنيست، مثل تحويل ساحات الأقصى إلى فضاءات عامة، تمثل خطوة خطيرة نحو نزع الطابع الإسلامي الحصري للمسجد.

كما يؤكد أن استهداف دائرة الأوقاف الإسلامية، وإبعاد الحراس، والتضييق على الإعلام، يأتي ضمن محاولة لإضعاف الإدارة الإسلامية، تمهيدًا لإنهاء الوصاية الأردنية.

ويختم قائلًا: "استمرار هذا الإغلاق، في ظل انشغال العالم بالحرب على إيران، يمنح الاحتلال فرصة لفرض وقائع جديدة، وقد يكون لما ستؤول إليه هذه الحرب دور حاسم في تحديد مستقبل الأقصى وهويته الدينية".

المصدر / فلسطين أون لاين