فلسطين أون لاين

تقرير اتفاق وقف النار بغزة... بين التعطيل الإسرائيلي وتآكل الضمانات الدولية

...
سيارة شرطية قصفها جيش الاحتلال ضمن الهجمات المتواصلة على غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار
غزة/ نور الدين صالح:

يدخل مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة من الجمود المعقّد، مع وجود اتهامات متصاعدة لدولة الاحتلال بتعمد تعطيل التنفيذ والتذرع بشروط قديمة، على رأسها ملف "نزع السلاح"، بوصفه مدخلا لإفراغ الاتفاق من مضمونه السياسي والإنساني.

ومع انشغال الإقليم بتطورات المواجهة في إيران ولبنان واليمن، تجد "إسرائيل" مساحة أوسع للمناورة، مستفيدة من تراجع الضغط الدولي والإعلامي على ما يجري في غزة. وبين اتفاق مُعطّل وواقع ميداني يتجه نحو مزيد من التعقيد، يظل السؤال مفتوحًا بشأن مستقبل هذا المسار السياسي، وما إذا كان سيُعاد إحياؤه ضمن تفاهمات أوسع، أو سيبقى رهينة حسابات إقليمية تتجاوز حدود القطاع.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن سلوك الاحتلال منذ اللحظة الأولى كشف عن نية مبيتة لعدم الالتزام، موضحًا أن "دولة الاحتلال ذهبت إلى الاتفاق حتى لا تطبقه"، مستدلًا بتجاوز المرحلة الأولى من التفاهمات دون تنفيذ بنودها الأساسية، سواء فيما يتعلق بالانسحاب من مناطق داخل القطاع، أو إدخال المساعدات، أو الشروع في إعادة الإعمار.

ويوضح عنبتاوي لصحيفة "فلسطين"، أن الحديث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق بقي شكليًا، دون أي ترجمة فعلية على الأرض، في وقت يواصل فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الترويج لسيطرة عسكرية واسعة داخل القطاع، مستفيدًا من انشغال الإقليم بتطورات الحرب في أكثر من ساحة، لا سيما إيران ولبنان.

هذا الواقع، وفق عنبتاوي، أتاح لـ"إسرائيل" "ترك الأمور على حالها وفرض رؤيتها في غزة والضفة الغربية معًا".

في قلب هذا التعطيل، يبرز شرط "نزع السلاح" كأحد أبرز الذرائع التي تستخدمها "إسرائيل" لتبرير عدم الالتزام. ويؤكد عنبتاوي أن هذا الطرح ليس جديدًا، بل يشكل جزءًا من سياسة إسرائيلية ثابتة تقوم على "التذرع بعوامل مختلفة للتهرب من تنفيذ الالتزامات"، مشددًا على أن ملف السلاح يمكن معالجته ضمن إطار وطني شرعي في أي اتفاق شامل، وليس كشرط مسبق لتعطيل المسار.

ويضيف أن ما يجري في غزة لا يختلف كثيرًا عما يحدث في ساحات أخرى كلبنان، حيث تُستخدم الذرائع الأمنية لتكريس واقع السيطرة، معتبرًا أن هذه السياسة تعكس "أطماعًا إسرائيلية تتجاوز غزة نحو إعادة تشكيل المشهد الإقليمي".

ويلفت عنبتاوي إلى أن اللجنة الإدارية التي طُرحت كجزء من ترتيبات ما بعد الاتفاق، جاءت "دون صلاحيات واضحة أو آليات عمل حقيقية"، بل ومرتبطة بمرجعية غير قائمة فعليًا، ما أفقدها القدرة على إدارة الملفات الحيوية في القطاع، كالصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

ويرى أن هذه اللجنة لم تحظَ بقبول داخلي أو بدعم خارجي كافٍ، في ظل غياب الإرادة الإسرائيلية للسماح بأي إدارة فلسطينية فاعلة، الأمر الذي أبقى الاتفاق "حبرًا على ورق"، وأبقى القطاع في حالة فراغ إداري وسياسي.

ويحمّل عنبتاوي الوسطاء الدوليين والإقليميين جزءًا من مسؤولية تعثر الاتفاق، معتبرًا أنهم لم يرتقوا إلى مستوى الضامن، بل اكتفوا بدور "شهود على الاتفاق دون متابعة تنفيذه". ويشير إلى أن غياب موقف واضح يُحمّل "إسرائيل" مسؤولية التعطيل، خاصة من الولايات المتحدة، ساهم في تكريس حالة الإفلات من الالتزام.

تراجع الاهتمام

من جانبه، يؤكد المختص في الشأن الإسرائيلي فتحي بوزية أن اتفاق غزة "وُضع على الرف بشكل متعمد"، مشيرًا إلى تراجع حضوره في الإعلام العربي والدولي، في ظل تصاعد الأحداث الإقليمية.

ويقول بوزية لـ"فلسطين"، إن هذا التراجع يعكس "محاولة إسرائيلية للهروب إلى الأمام"، عبر نقل بوصلة الاهتمام نحو جبهات أخرى كإيران ولبنان واليمن.

ويلفت بوزية إلى أن استمرار إغلاق معبر رفح، رغم وجود تفاهمات بشأنه، يُعد مثالًا واضحًا على عدم الالتزام، في وقت تتجه فيه الأنظار نحو مضيق هرمز والتصعيد الإقليمي، بينما "يغيب الحديث كليًا عن غزة".

كما يشير إلى أن تصريحات الإدارة الأمريكية، بما فيها مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تعد تتطرق إلى الاتفاق، ما يعزز الانطباع بأن ما جرى لم يكن سوى "ذر للرماد في العيون"، وأن واشنطن تواكب عمليًا الرؤية الإسرائيلية في إدارة الملف.

ويتفق المحللان على أن مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بات مرتبطًا إلى حد كبير بمآلات الصراع الإقليمي الأوسع. فبحسب عنبتاوي، فإن أي تغير في موازين القوى الإقليمية سينعكس بالضرورة على القضية الفلسطينية، معربًا عن أمله في أن يكون هذا الانعكاس إيجابيًا.

أما بوزية، فيرى أن إمكانية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار في المنطقة، قد تفتح الباب أمام حلول جزئية في غزة، خاصة إذا ما تم ربط ذلك بانسحاب إسرائيلي من القطاع.

فبين تعنت إسرائيلي، وضعف في دور الوسطاء، وتراجع الاهتمام الدولي، يواجه اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خطر التحلل الكامل. وفي ظل استخدام شروط مثل "نزع السلاح" كأداة لتعطيل التنفيذ، يبدو أن المسار السياسي مرهون بتغيرات أكبر تتجاوز حدود القطاع، بينما يبقى العامل الحاسم، وفق التقديرات، هو صمود الفلسطينيين وقدرتهم على فرض معادلة جديدة على الأرض.

المصدر / فلسطين أون لاين