دعا اختصاصيون في مجال الأسرى والإعلام والقانون، لعقد لقاء قيادي وطني لوضع إستراتيجية لنصرة الأسرى في سجون الاحتلال والمسجد الأقصى، محذرين من قانون شرعنة قتل الأسرى أو ما سمي بقانون إعدامهم، وسط انتقادات لسفارات السلطة لـ"تقصيرها وعدم أداء دورها المطلوب".
جاء ذلك في ورشة نظمها منتدى الإعلاميين الفلسطينيين في مدينة غزة اليوم بعنوان "قانون إعدام الأسرى: من التشريع العنصري إلى المواجهة الإعلامية"، بحضور لفيف من النخب المتخصصين.
من جهته قال مدير جمعية واعد د.عبد الله قنديل: إن الهجمة الممتدة على نحو 10 آلاف أسير وأسيرة لم تتوقف في أي لحظة، مبينا أن المراحل التي تعرضت لها الحركة الوطنية خلال العقود السبعة الأخيرة وكذلك بين 1967 و2023 هي مراحل مهمة ومفصلية أدت إلى عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأضاف قنديل في ورقة عمل قدمها خلال الورشة: إذا كنا نتحدث عن 230 أسير شهيد في تلك العقود، فهناك 90 أسيرًا شهيدا خلال العامين الأخيرين، مشيرا إلى وجود العديد من القوانين الاحتلالية التي لا تقل عنصرية وسادية عن القانون الذي صدّق عليه برلمان الاحتلال (الكنيست) أخيرًا.
ومثّل على تلك القوانين بما يسمى "قانون شاليط" الذي لا يزال العمل ساريا به ويشتمل على 70 "عقوبة" داخل سجون الاحتلال، "لأننا أمام برنامج صهيوني إحلالي استئصالي عنصري قائم على شيء واحد هو التمكن من قتل الفلسطيني في اللحظة التي يراها المحتل مناسبة".
وأوضح قنديل أن إدارة سجون الاحتلال تدوس على أي حق إنساني مكتسب للأسير سواء نصت عليه القوانين والمواثيق الدولية أو حتى قوانين الاحتلال ذاته.
وتابع بأن وزير ما يسمى "الأمن القومي" في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير لم يأت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وإنما قبل ذلك التاريخ وشن أكبر حرب بحق الأسرى، وقبل أيام ظهر وهو يرتدي قناعا ويُدخل فرقا إجرامية لتعتدي على الأسرى، ما يدلل على وجهة (إسرائيل) ككيان احتلالي.
وحذر قنديل من أن ما يسمى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لن يكون الحلقة الأخيرة فالاحتلال لن يكتفي بذلك، منبها في الوقت ذاته إلى أن هذا القانون ترك ضبابيا من ناحية تطبيقه على الأسرى منفذي العمليات الفدائية بأثر رجعي.
وعن الواقع الميداني للأسرى، قال قنديل: إن الأسرى يقولون إن الدقيقة بعد بدء حرب الإبادة على غزة هي بـ10 سنوات من العذاب داخل السجون، وسط حرمانهم من الزيارة.
ووفق قنديل، شهد مارس/آذار الماضي ارتفاعا في عدد الأسرى بنسبة 3%، وبلغ عدد الأسرى نحو 9500 موزعين على 23 مركزا وسجنا عدا عن السجون السرية، بينما بلغ عدد المعتقلين الإداريين 3500 وهو رقم هائل، كما وصل عدد الأسرى الأطفال دون سن 18 عاما إلى 350، وعدد الأسيرات إلى 79 بينهن 39 أما.
تعديل لقوانين سابقة
من ناحيته قال مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة علاء السكافي، إن ما يعرف بقانون إعدام الأسرى ليس مستقلا وإنما هو تعديل لعدد من القوانين في دولة الاحتلال منها قانون الطوارئ لعام 1945 إبان الاحتلال البريطاني وقانون العقوبات في دولة الاحتلال.
وأضاف السكافي في ورقة قانونية خلال الورشة، أن التعديلات عملت على توسيع صلاحيات محاكم الاحتلال لفرض عقوبة الإعلام على الأسرى الفلسطينيين وهي تعديلات مخالفة للقانون الدولي الإنساني ولاسيما اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على وجوب أن تحمي قوة الاحتلال المعتقلين المدنيين ومن يُعتقلون ضمن المنطقة الجغرافية للإقليم المحتل.
ونبه إلى أن مجمل ما تناولته معايير حقوق الإنسان وخاصة العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية يحذر من تطبيق عقوبة الإعدام وخاصة إن كانت قوة الاحتلال هي من تطبق هذه العقوبة، مع افتقار الأسرى للمحاكمة العادلة.
وتابع السكافي، أن من أكثر المخاطر المرتبطة بقانون إعدام الأسرى هو ما يتعلق بتطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي على من يُتهمون بتنفيذ أعمال مقاومة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن القانون المذكور لا يتطلب إجماعا من القضاة على الحكم بعقوبة الإعدام.
وأردف بأن القانون ينضوي على تمييز عنصري وقانوني واضح عبر تطبيقه على الفلسطينيين فقط، مؤكدا أنه جاء بدوافع انتقامية بناء على توجهات حكومية منذ بدء تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو، وأحد أسباب انضمام اليمين المتطرف لها هو إقرار قانون إعدام الأسرى.
الموقف والقرار السياسي
بدوره، دعا الإعلامي والأسير المحرر عماد الإفرنجي إلى ورشة عمل وطنية كبرى أو لقاء قيادي وطني يشارك فيه الجميع لوضع إستراتيجية وطنية للتحرك لنصرة قضية الأسرى والأقصى.
ووصف الإفرنجي في ورقة عمل إعلامية خلال الورشة، سجون الاحتلال بأنها "جحيم وموت" يُحرم فيها الأسرى من حقوقهم ويتعرضون للتنكيل والتعذيب العنيف والتفتيش العاري واغتصاب الرجال والنساء والأطفال والتجويع والإهمال الطبي ومنع أداء العبادات.
وقال الإفرنجي إن قتل الأسرى في سجون الاحتلال كان موجودًا قبل تصديق "الكنيست" على القانون الأخير الذي جاء لشرعنة القتل، مشيرًا إلى أن الأسير إسلام السرساوي استشهد في إثر ضرب مبرح تعرض له على يد جنود الاحتلال لمجرد طلبه الذهاب إلى دورة المياه وادعاء إحدى المجندات أنه شتمها.
وأوضح الإفرنجي أن الاحتلال يشن حربا على الأرض والمقدسات والإنسان، منبها إلى إغلاقه المسجد الأقصى المبارك للشهر الثاني تواليا في ظل انشغال العالم بالتطورات المستجدة في المنطقة.
وأكد أن قانون شرعنة قتل الأسرى ليس معزولا بل حلقة تندرج ضمن مسلسل انتهاكات إرهابية تصاعدية بحق الأسرى في سياق توجه فرض واقع جديد عليهم واستمرار جريمة الإبادة في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ورأى الإفرنجي أن الخطوة الأولى في التحرك الفلسطيني هي الموقف والقرار السياسي، متسائلا: هل يوجد قرار سياسي بمواجهة الاحتلال ومتى وكيف؟ محذرا من "اختباء قيادة السلطة والفصائل والنخب وغيرهم وراء الدور الإعلامي وكأن القضية مختزلة في جهود إعلامية لنصرة قضية الأسرى ومواجهة قانون القتل المشرعن".
وشدد على أن التحرك والقرار السياسي هو الأساس والعمل الإعلامي يأتي ضمن منظومة عمل يكمل كل منها الآخر، قائلا: حتى لا يُقتل الأسرى أكثر من مرة تارة بالاعتقال والترهيب والتفتيش والاغتصاب وأخرى بذلك القانون وتخلي العالم عنهم، يجب تحقيق معادلة أساسية تتمثل بالإرادة والقرار والتعبئة الوطنية والحراك الشعبي والجهد الإعلامي والتحرك القانوني ورصد موازنة مالية ما يحقق تأثيرا وضغطا سياسيا فعالا.
وفي الإطار القانوني والأخلاقي، أوصى الإفرنجي بتفنيد القانون الإسرائيلي المذكور وإيضاح مخالفته للقوانين الدولية وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة وإبراز كيف يُستخدم كأداة سياسية انتقامية تفتقر لأدنى معايير المحاكمة العادلة.
وحثّ على تسليط الضوء على المسؤولية الجنائية الدولية التي قد تقع على عاتق من يشرع أو ينفذ هذا القانون وتشكيل لجان تحقيق دولية فيما يتعلق بالجرائم بحق الأسرى وإعداد ملف قانوني دقيق وإحالته للمحكمة الجنائية الدولية لضمان عدم إفلات مسؤولي الاحتلال من العقاب.
وأكد ضرورة تعزيز الوعي والفهم الفلسطيني والعربي والدولي بقضية الأسرى وإرهاب الاحتلال بحقهم واستخدام مصطلحات دقيقة مثل "القتل المشرعن" أو "الإرهاب القانوني" أو "القتل الممنهج بدعم الدولة" بدلا من مصطلح قانون الإعدام وأي مصطلحات تخدم رواية الاحتلال.
وأوصى باستخدام مصطلح "الأبارتهايد التشريعي أو القضائي" للتأكيد على أن هذا القانون هو على أساس عرقي وقومي ما يجعله جريمة تمييز عنصري مؤسساتية بقرار من دولة الاحتلال.
وحث الإفرنجي على استخدام مصطلح "أسرى الحرية" لتأكيد شرعية مقاومة الأسرى للاحتلال في كل القوانين الدولية، مشيرا إلى أهمية أنسنة قضيتهم والابتعاد عن لغة الأرقام فقط، ما يتطلب التركيز على قصص الأسرى وعائلاتهم.
ونبه إلى ضرورة كشف الوجه الديمقراطي الزائف لدولة الاحتلال ومخاطبة الغرب بلغته وثقافته في هذا الصدد، والتركيز على صناعة رسالة إعلامية جوهرها إنساني قانوني للجمهور الأجنبي والتركيز على المرضى والنساء والأطفال، وصياغة رسالة إعلامية للعرب والمسلمين حول قضية الأسرى والموقف الشرعي منها.
وأكد الإفرنجي ضرورة اختراق الوعي الإسرائيلي عبر صياغة رسالة إعلامية مقنعة تستند لحقائق وقوانين وحقوق وعدم تركه للسردية الإسرائيلية.
واقترح إطلاق حملات رقمية عابرة للحدود تشمل رسوما ووسوما (هاشتاج) بلغات متعددة وإشراك الناشطين الدوليين لتكوين لوبي رقمي ضاغط على الاحتلال، وإنتاج محتوى يومي مرئي يشرح مخاطر القانون الاحتلالي بأسلوب مبسط وسريع، وإطلاق منصة دولية خاصة بالأسرى بكل اللغات.
وأوصى بالسعي بكل السبل لتحويل كل فلسطيني وعربي وحر في العالم إلى منبر إعلامي للدفاع عن الأسرى وقضيتهم وفضح القانون الإسرائيلي، ودعم وإسناد كل من يؤيد القضية الفلسطينية ومحاربة كل من يحاربها.
كما دعا إلى المواجهة الدبلوماسية والشعبية والضغط عبر المنظمات الدولية وتفعيل دور السفارات والجاليات العربية والإسلامية للضغط على البرلمانات لاتخاذ مواقف واستضافة محررين بهدف التحشيد، منتقدا سفارات السلطة "التي لا تفعل شيئا".
وأكد ضرورة التواصل مع الهيئات العلمائية لتفعيل جهودها، والنفير الجماهيري العام، والملاحقة الاقتصادية وتطوير الحركة العالمية لمقاطعة (إسرائيل) وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها (BDS).
وكان كنيست الاحتلال أقر مؤخرا بأغلبية 62 نائبا ما يسمى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وبحسب صيغة القانون يمكن لدولة الاحتلال تطبيق "عقوبة الإعدام" على أي فلسطيني يقتل مستوطنا إسرائيليا، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على مستوطن يقتل فلسطينيا.