في زاوية خيمة متواضعة، تجلس تغريد عبد الله محاطة بأكوام من الكراتين الممزقة، والزجاج المحطم، وأكياس الطحين الفارغة. لا تنظر إليها كأنها نفايات، بل كمواد خام لشيء جديد. بين يديها، تبدأ تلك البقايا بالتحول إلى مجسمات صغيرة تنبض بالحياة، كأنها تحاول إعادة ترتيب العالم من حولها.
هنا، وسط النزوح، وُلدت حكاية مختلفة. حكاية امرأة قررت ألا تستسلم، وأن تجعل من مخلفات الحرب وسيلة للبقاء، بل للإبداع أيضًا.
تغريد، الموظفة في أحد البنوك، والحاصلة على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتخطيط الاستراتيجي، لم تكن تتخيل يومًا أن تتحول من عالم الأرقام إلى عالم الفن اليدوي. تقول: "قبل الحرب، كنت غارقة في روتين العمل، ما كان عندي وقت أفكر بأي شيء خارج هذا الإطار".
لكن الحرب قلبت كل شيء. لم تعد الحياة كما كانت، ولم يعد الروتين خيارًا متاحًا. تضيف: "فقدنا حتى رفاهية الروتين، وصرت أفكر كيف ممكن ما أغرق في اليأس، وكيف أقدر أقاوم وأساعد غيري… وكانت هاي طريقتي".
من الحاجة وُلدت الفكرة. مع غياب الأسواق وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، بدأت تغريد تنظر حولها بعين مختلفة. كل شيء صار قابلًا لإعادة الاستخدام: كرتونة مساعدات، سلة مكسورة، جرة متصدعة، وحتى بقايا المنازل المدمرة.
"صرنا بلا أثاث ولا مصادر جاهزة… فاضطرينا نبدع بإيدينا"، تقول. قطعة كرتون تتحول إلى تحفة، وزجاج مكسور يصبح جزءًا من لوحة، وأكياس الطحين تأخذ شكلًا جديدًا.
لم تكن هذه المهارة جزءًا من حياتها سابقًا. تعترف: "ولا مرة فكرت أعمل هيك قبل النزوح… لأنه كل شيء كان متوفر، وما كان في داعي"، لكن حين تُسلب الخيارات، يصبح الإبداع ضرورة.
التحول الأعمق لم يكن في ما تصنعه تغريد، بل في أثره. بدأت تنشر أعمالها، لتتفاجأ بتفاعل واسع من الناس. إعجاب، أسئلة، ومحاولات تقليد لما تقدمه.
"حسيت إني بعطي دفعة للناس… بخليهم يفكروا كيف يستغلوا اللي حولهم"، تقول.
لم تعد مجسماتها مجرد أشكال جميلة، بل رسائل صمود. كل قطعة تحمل قصة: بيت كان قائمًا، حياة انكسرت، وإرادة ترفض الانكسار.
تعتمد تغريد على أبسط المواد المتاحة حولها. لا ورش، ولا أدوات متقدمة، فقط ما يتركه الدمار خلفه.
"كل إشي ممكن أعيد استخدامه… من تحت الركام، من أنصاف الأشياء"، توضح.
لكن الطريق ليس سهلًا. فبعض الأدوات الأساسية، كمواد اللصق أو التسخين، إما غير متوفرة أو باهظة الثمن في ظل الحصار. ومع ذلك، تستمر.
أحلام تغريد لا تتوقف عند حدود الخيمة. ترى في تجربتها نواة لمشروع أكبر: "بتمنى نعمل مصنع كبير لإعادة التدوير… نستغل فيه كل هالنفايات ونفيد المجتمع".
في غزة، حيث يثقل الركام كل زاوية، تحاول تغريد أن تعيد تعريفه، لا كأثر للحرب فقط، بل كبداية لشيء جديد، فهنا لا يبدو الفن رفاهية، بل وسيلة بقاء.
ولا يصبح الإبداع ترفًا، بل شكلًا من أشكال المقاومة… حيث تتحول الخسارة إلى فكرة، والركام إلى حياة.

