في تصعيد غير مسبوق، يواصل الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك لليوم الـ36 تواليًا أمام المصلين والزوار، بذريعة حالة الطوارئ المرتبطة بالحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، المستمرة منذ 28 فبراير/شباط الماضي.
ومنعت شرطة الاحتلال آلاف المصلين من الوصول إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة الخامسة منذ بدء الإغلاق، وسط انتشار عسكري مكثف في محيط البلدة القديمة. كما أعلنت تمديد الإغلاق حتى 15 أبريل/نيسان الجاري، في أطول فترة إغلاق يشهدها الأقصى منذ احتلال القدس عام 1967.
وشمل الإغلاق أيضًا كنيسة القيامة، إذ لم تسمح سلطات الاحتلال سوى بإقامة "صلوات محدودة" بمناسبة "أحد الشعانين"، وذلك بعد إدانات دولية. في المقابل، تواصل جماعات "الهيكل" المزعوم تحريضها لاقتحام المسجد خلال "عيد الفصح" العبري، الممتد من 2 إلى 9 أبريل، والدعوة إلى "ذبح القرابين" داخله.
واعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن تمديد الإغلاق يكشف نية الاحتلال فرض سيادته الكاملة على المسجد، والتحكم بفتحه وإغلاقه وفق مخططاته التهويدية.
في السياق، حذرت شخصيات مقدسية، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "فلسطين"، من مخططات إسرائيلية "خطيرة" تقف وراء هذا الإغلاق، الذي وصفوه بـ"الأطول" و"الأخطر" في تاريخ المسجد.
الإغلاق الأخطر
قال الناشط المقدسي فخري أبو دياب إن الاحتلال يسعى لفرض نفسه "صاحب سيادة" على المسجد الأقصى، والتحكم في أبوابه ومواعيد فتحه وإغلاقه، إضافة إلى تقويض دور دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس.
الناشط المقدسي، فخري أبو دياب
ووصف الإغلاق الحالي بأنه الأخطر، معتبرًا أن مبررات الاحتلال "واهية"، وتهدف إلى تمرير مشاريع تهويدية. واستدل على ذلك باستمرار التجمعات في الأسواق والأماكن العامة، رغم منع الصلاة في المسجد، الذي يضم مصليات وقبابًا يمكن الاحتماء بها.
وأشار إلى قيام الاحتلال بطرد عشرات العائلات المقدسية من منازلها خلال الأسابيع الماضية، متسائلًا: "لو كان الهدف حماية الجمهور، فلماذا يُترك الناس في العراء؟"، معتبرًا أن ذلك يأتي ضمن مخططات هدم وتوسع استيطاني.
وأكد أن الهدف من الإغلاق هو إحكام السيطرة على الأقصى وفرض وقائع جديدة، مستغلًا انشغال الإقليم بالحرب الدائرة، داعيًا المقدسيين إلى تكثيف الرباط والصلاة في محيط المسجد.
"التفكيك الصامت"
من جهته، استعرض المختص في شؤون القدس راسم عبيدات محطات إغلاق سابقة للمسجد، منها في 9 يونيو 1967، و14 يوليو 2017 خلال "هبة البوابات الإلكترونية"، و23 يونيو 2025 أثناء الحرب على إيران، والتي استمرت 12 يومًا.
المختص في شؤون القدس، راسم عبيدات
وأشار إلى محاولات متكررة لاستهداف الأقصى، منها حريق 21 أغسطس 1969، ومحاولات جماعات استيطانية وضع حجر الأساس لـ"الهيكل" المزعوم، إلى جانب أعمال الحفر أسفل المسجد.
وفنّد عبيدات مبررات الاحتلال، مؤكدًا أن الإغلاق يندرج ضمن مسار سياسي وأيديولوجي يهدف لتغيير الوضع الديني والتاريخي والقانوني للأقصى.
وأوضح أن الاحتلال انتقل من سياسة "التفجير والهدم" إلى استراتيجية "التفكيك الصامت"، التي تستهدف تفريغ المسجد من معناه الديني والقانوني، عبر إجراءات قانونية وإدارية مدعومة من صعود التيارات الدينية والقومية المتطرفة داخل إسرائيل.
وحذر من خطوات قادمة قد تمهد لإقامة "الهيكل الثالث"، من بينها الحديث عن "ذبح البقرات الحمراء" التي جرى استقدامها من الولايات المتحدة، ضمن طقوس دينية يروج لها المستوطنون.
واعتبر أن الاحتلال يرى في الظروف الإقليمية الراهنة فرصة لفرض تغييرات جذرية في واقع الأقصى، تتجاوز التقسيمين الزماني والمكاني.
"مشاريع سوداوية"
بدوره، قال القيادي في الداخل المحتل الشيخ كمال الخطيب إن الاحتلال صعّد إجراءاته تجاه الأقصى منذ عام 2014، وسمح باقتحامات متزايدة للمستوطنين، حتى خلال شهر رمضان.
القيادي في الداخل المحتل، كمال الخطيب
وأوضح أن شرطة الاحتلال مددت هذا العام ساعات اقتحام المستوطنين خلال رمضان، في محاولة لفرض "السيادة" على المسجد، بدلًا من الحد منها.
وأضاف أن إغلاق الأقصى خلال الحرب الحالية على إيران يأتي تحت ذريعة "حماية الجمهور"، لكنه في جوهره قرار سياسي يهدف لفرض وقائع جديدة.
وحذر الخطيب من "مشاريع تهويدية خبيثة" تستهدف المسجد الأقصى، داعيًا الأمة الإسلامية إلى التحرك للدفاع عن أولى القبلتين ومسرى النبي محمد، عليه الصلاة والسلام.
وتتفق التقديرات المقدسية على أن الإغلاق الحالي لا يقتصر على إجراء أمني مؤقت، بل يشكل جزءًا من مسار أوسع لفرض السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى، مستفيدًا من حالة الانشغال الإقليمي والدولي، ما ينذر بتداعيات دينية وسياسية خطيرة في المرحلة المقبلة.