حذر مدير مركز الضمير لحقوق الإنسان علاء اسكافي، من خطورة تنفيذ الاحتلال الإسرائيلي ما يعرف بقانون "إعدام الأسرى" بأثر رجعي، معتبرا أن هذا التوجه يشكل سابقة خطيرة في تاريخ التشريعات، إذ يفتح الباب لتطبيق العقوبة على معتقلين تم اعتقالهم قبل سن هذا التشريع، في انتهاك واضح لمبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية، وهو أحد أهم ركائز العدالة.
وأوضح اسكافي في مقابلة مع صحيفة "فلسطين"، أن خطورة القانون لا تكمن فقط في مضمونه، بل في السياق الذي جاء فيه، إذ وصفه بأنه تشريع "انتقامي وثأري" يسعى إلى إضفاء صبغة قانونية على ممارسات قائمة بالفعل، مشيرا إلى أن تمريره يعكس توجها سياسياً أكثر منه قانونيا، ويهدف إلى شرعنة القتل خارج إطار القانون.
وفي السياق القانوني، أشار إلى أن مركز عدالة لحقوق الإنسان، بالتعاون مع نواب عرب في الكنيست، قدموا طعنا أمام المحكمة العليا الإسرائيلية لعدم دستورية القانون، مشيرا أن هذا الطعن يستند إلى ثلاثة أسباب رئيسية تمثل جوهر الاعتراض القانوني عليه.
السبب الأول، بحسب اسكافي، يتمثل في أن نصوص القانون تنص صراحة على تطبيقه بأثر رجعي، بحيث يشمل معتقلين تم اعتقالهم خلال فترة ما وصفه بحرب الإبادة الجماعية، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع المبادئ الأساسية للقانون الجنائي، التي ترفض معاقبة الأفراد على أفعال لم تكن مدرجة بالقانون وقت ارتكابها.
مدير مركز الضمير لحقوق الإنسان علاء اسكافي
أما السبب الثاني، فيتعلق بالطابع التمييزي للقانون، إذ ينص بشكل واضح على تطبيقه على الفلسطينيين دون غيرهم، بما يشكل تمييزا عنصريا صارخا، ويخالف مبدأ المساواة أمام القانون، وهو أحد المبادئ الأساسية في أي نظام قضائي يدعي احترام حقوق الإنسان.
ثالث الأسباب يتمثل في إلزامية عقوبة الإعدام ضمن القانون، حيث لا يترك مجالا لتقدير القضاة أو لاجتهادهم، كما لا يشترط الإجماع في إصدار حكم الإعدام، وهو ما يتناقض مع المعايير الدولية التي تشدد على ضرورة توفر ضمانات مشددة قبل إصدار مثل هذه الأحكام الخطيرة.
وأكد اسكافي أن القواعد العامة للتشريع في أي دولة تقتضي وجود إجماع قضائي في القضايا التي تتعلق بعقوبة الإعدام، إضافة إلى ضرورة إتاحة الفرصة للطعن في الحكم والعمل على تخفيف العقوبة، وهو ما يغيب تماما في هذا القانون، مما يجعله فاقدا لأبسط مقومات العدالة.
وأشار إلى أن المحكمة العليا الإسرائيلية قررت وقف سريان القانون مؤقتا إلى حين البت في دستوريته، متوقعا أن يتم تعديل بعض بنوده، خصوصا تلك المتعلقة بالأثر الرجعي أو الطابع التمييزي، لكنه شدد على أن أي تعديلات لن تغيّر من جوهر القانون الذي وصفه بالفاشي.
وأضاف أن إمكانية تعديل بعض البنود لا تعني إصلاح القانون، بل قد تكون مجرد محاولة لتجميله شكليا، دون المساس بجوهره القائم على الإعدام كأداة عقابية أساسية، وهو ما يثير مخاوف حقيقية من استمراره بصيغ مختلفة.
ويربط اسكافي بين هذا القانون وسياسات الاحتلال القائمة على الأرض، مشيرا إلى أن الاحتلال يمارس فعليا سياسة الإعدام بحق الفلسطينيين، سواء عبر الاغتيالات الممنهجة أو الاستهداف المباشر، أو من خلال عمليات القنص خلال التجمعات السلمية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأضاف أن هذه الممارسات تعكس واقعا يتم فيه تنفيذ الإعدام الفلسطينيين دون محاكمة، حيث ينصب الاحتلال نفسه قاضيا ومدعيا في الوقت ذاته، ما يجعل القانون الجديد مجرد غطاء قانوني لممارسات قائمة، وليس تحولا حقيقيا في السياسة.
ولفت القانوني الفلسطيني إلى تردي الأوضاع المعيشية للأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال، وارتفاع أعداد من قتلوا بينهم، مشيرا إلى أن عدد من استشهدوا داخل السجون منذ السابع من أكتوبر 2023 بلغ 98 أسيرا، وهو رقم يعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون.
وتجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال 9,500 معتقل، من بينهم نساء وأطفال، يحتجزون بصورة تعسفية، ويتعرضون لانتهاكات جسدية ونفسية جسيمة، تشمل الحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، والإهمال الطبي، والعقاب الجماعي، والتعذيب القاسي.
وأكد اسكافي أن هذه الوقائع تعزز من المخاوف بأن القانون الفاشي سيؤدي إلى تصعيد الانتهاكات الإسرائيلية، ويمنح غطاء قانونيا لممارسات ترقى إلى مستوى الجرائم الخطيرة، بما في ذلك الحرمان من الحق في الحياة.
وشدد على أن القانون الإسرائيلي يتعارض بشكل واضح مع القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة، التي تعتبر معتقلي غزة مدنيين محميين، ولا تجيز للقوة القائمة بالاحتلال اتخاذ إجراءات تمس بحقهم في الحياة أو تعرضهم لعقوبات قاسية.
كما أشار إلى أن القانون يخالف أيضا القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يتجه عالميا نحو إلغاء عقوبة الإعدام، نظرا لما تنطوي عليه من انتهاك للحق في الحياة، إضافة إلى ما تسببه من معاناة نفسية وجسدية للمحكوم عليهم.
وأوضح أن المصادقة النهائية على القانون في الكنيست الإثنين الفائت، بأغلبية 62 صوتا مقابل 48، وبدعم من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، تعكس توجها سياسيا واضحا، خاصة أنه يستهدف الفلسطينيين دون أن يشمل الإسرائيليين الذين ارتكبوا جرائم بحق الفلسطينيين.
وأشار إلى أن القانون قوبل بإدانات واسعة على المستويين المحلي والدولي، بما في ذلك تهديدات من الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات في حال بدء تطبيقه، وهو ما يعكس حجم القلق الدولي من تداعيات هذا التشريع.
ودعا اسكافي إلى ضرورة البناء على حالة الرفض الدولي لهذا القانون، داعيا إلى تكثيف الضغط من قبل الحكومات والمنظمات الدولية لإلغائه، ومشددا على أن تغيير الحكومة اليمينية المتطرفة قد يساهم في تجميده، لكنه لا يلغي الحاجة إلى موقف دولي حازم ينهي هذا التشريع بشكل كامل