لم يكن سامر اللولو يتخيّل أن تتحول لحظات الفرح الأولى بولادة طفلته إلى رحلة قلق طويلة، يكتفي خلالها برؤيتها عبر الصور، فيما تخوض معركة حياة قاسية بعيدًا عنه. وُلدت طفلته خديجةً تحت القصف، ثم نُقلت للعلاج خارج غزة، لتبدأ حكاية فقدٍ مؤقت، امتدت شهورًا، عاشها الأب بين الخوف والترقّب، دون يقين إن كانت لا تزال على قيد الحياة.
يقول سامر اللولو، من سكان منطقة الصفطاوي شمال قطاع غزة، إن عائلته نزحت في بداية الحرب إلى معسكر جباليا، حيث كانت زوجته شيماء في شهرها الثامن من الحمل، قبل أن تتدهور حالتها الصحية بشكل مفاجئ نتيجة إصابتها بتسمم الحمل.
ولادة تحت القصف
يروي سامر لـ "فلسطين أون لاين": "اضطررنا للتوجه بشكل عاجل إلى مستشفى العودة شمال القطاع، وكانت زوجتي في شهرها الثامن وحالتها بالغة الخطورة، فطلب الأطباء تحويلها إلى مستشفى الشفاء. لكننا لم نجد سيارة إسعاف تنقلها بسبب القصف المتواصل وصعوبة الحركة، فبقينا ننتظر حتى اليوم التالي، وقلوبنا معلّقة بحياتها".
ويتابع: "في 30 أكتوبر 2023، توجهنا إلى مستشفى الشفاء تحت القصف والقذائف، وكانت حالتها صعبة جدًا. هناك قرر الأطباء إجراء عملية قيصرية عاجلة، ووُلدت طفلتنا كندة، لكنها كانت خديجة وتحتاج إلى الحضانة والعناية المركزة".
ويضيف: "أخبرنا الأطباء أنها تحتاج إلى البقاء في الحضانة ما لا يقل عن عشرة أيام، لأن ولادتها كانت مبكرة وحالتها حرجة".
بعد العملية، نُقلت زوجته إلى مستشفى الحلو الدولي، حيث بقيت تحت المراقبة أربعة أيام بسبب خطورة وضعها الصحي، بينما بقيت الطفلة في الحضانة بمستشفى الشفاء.
يقول سامر: "كنت أنام في الشارع أمام المستشفى، تحت أصوات القذائف والصواريخ، وبين نباح الكلاب التي تملأ المكان. كان الخوف يحيط بنا من كل اتجاه، لكن لم يكن أمامي خيار آخر".
اقرأ أيضًا: طفل الحضّانة الذي عاد.. قصة فراق ولقاء في زمن الحرب
ويكمل: "في اليوم الرابع قررت العودة صباحًا إلى منزل أهل زوجتي لأحصل على قسط من الراحة، لكنني سمعت خبرًا عن قصف مستشفى الحلو. حينها جثوت على ركبتي، لم أعد أحتمل كل تلك الصدمات، وخشيت أن تكون زوجتي قد استشهدت، بينما كانت ابنتي تصارع الموت في الحضانة. كنت قد رأيتها للحظات فقط عند إدخالها الحضانة، ولم أرها بعدها".
فقدان الاتصال 13 يومًا
بعد أيام قليلة من الولادة، اشتدت العمليات العسكرية حول المستشفى، وانقطع الاتصال بشكل كامل.
يقول سامر: "فقدنا التواصل مع المستشفى لمدة 13 يومًا؛ لا إنترنت ولا اتصالات، ولا أي وسيلة نعرف من خلالها إن كانت ابنتنا على قيد الحياة. كنا نسمع يوميًا في الأخبار عن وفاة أطفال خدّج بسبب انقطاع الأكسجين والتدفئة، وكنا نشعر أن كل خبر قد يكون عنها".
وخلال تلك الفترة، انقطع الأكسجين والتدفئة عن قسم الحضانات، ما أدى إلى تدهور حالة العديد من الأطفال الخدّج، ومن بينهم كندة، التي أصيبت بمضاعفات خطيرة، منها تضخم في الكبد والطحال، وانخفض وزنها من نحو كيلو ونصف إلى أقل من كيلوغرام.
مع عودة الاتصالات جزئيًا، اكتشفت العائلة عبر الإنترنت أن الطفلة نُقلت مع عدد من الأطفال الخدّج من مستشفى الشفاء إلى جنوب القطاع، قبل إجلائهم للعلاج في مصر.
يقول سامر: "لم نكن نعلم أنها نُقلت إلى مصر. عرفنا بالصدفة عندما رأى أحد أقاربي في الخارج منشورًا يطلب من أم الطفلة شيماء أبو خاطر التوجه إلى الجنوب للالتحاق بها، لكن الخبر وصلنا متأخرًا، بعد نحو شهر".
ويتابع: "رغم ذلك، لم نيأس. توجهت إلى مستشفى ناصر في خان يونس، وهناك جرى التنسيق لخروج زوجتي للالتحاق بطفلتنا. سافرت بالفعل قبل اجتياح مدينة رفح، وطلبت منها العودة، لكننا كنا نخشى أن تتدهور حالة الطفلة في غزة، فبقيت معها في مصر، خاصة بعد إغلاق معبر رفح".
شهور في العناية المركزة
مكثت الطفلة كندة نحو ستة أشهر في العناية المركزة في مصر، بعد أن تعرضت لمضاعفات صحية خطيرة، من بينها توقف قلبها مرتين، وانخفاض وزنها إلى نحو 700 غرام.
اقرأ أيضًا: لقاء بلا ذاكرة... أمهات يستعدن أبناءهن الخُدّج وقلوب الأطفال لا تتعرّف
يقول والدها: "كانت حالتها صعبة جدًا، لكن الحمد لله، بعد شهور من العلاج بدأت تتحسن تدريجيًا".
بعد شهور طويلة من الغياب والعلاج، عادت الطفلة مع والدتها إلى غزة، في لحظة اختلطت فيها الدموع بالفرح.
يقول سامر: "فرحنا كثيرًا بعودتهما، كان شعورًا لا يوصف، لكن في الوقت نفسه نحن خائفون من المستقبل. ابنتي تحتاج إلى غذاء صحي وبيئة نظيفة، وهذا صعب في غزة حاليًا".
ويختم: "الأطباء أكدوا أنها لا يجب أن تعيش في خيمة، ولا تتناول المعلبات، لأن وضعها الصحي حساس، ونحن نخشى أن تعود إلى نقطة الصفر".