قائمة الموقع

من سِجْن عكَّا إلى سِجْن النَّقب.. شيماء تخشى مشنقةً تنتظرُ زوجها

2026-04-02T09:54:00+03:00
شيماء نصار رفقة زوجها الأسير في سجون الاحتلال زكريا
فلسطين أون لاين

في يومٍ ثقيلٍ بتفاصيله، عُرف لاحقًا بـ"الثلاثاء الحمراء"، الموافق 17 يونيو/ حزيران 1930، وقف فدائيو ثورة البراق الثلاثة محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير، بثبات أمام حبال المشانق التي أعدَّتها سلطات الانتداب البريطاني. ومنذ أن علت أقدامهم منصة الإعدام، تحولت حكايتهم إلى مناسبةٍ وطنيةٍ سنويةٍ يُحييها الفلسطينيون في بقاع الأرض، وتتغنى بها الأجيال، وهي تردد نشيد فرقة العاشقين "من سجن عكا طلعت جنازة".

وبعد مرور قرابة قرنٍ من الاستعمار والاحتلال، أصبح آلاف القابعين خلف قضبان السجون يواجهون المصير ذاته الذي أنهى حياة الفدائيين الثلاثة، في أعقاب إقرار الاحتلال الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.

ومنذ أن سمعت شيماء نصار، زوجة الأسير زكريا نصار، من سكان مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، بقانون الإعدام، لم تعد حكاية فدائيي ثورة البراق الثلاثة مجرد تاريخ بعيد بالنسبة لها، بل احتمالًا قريبًا قد يواجهه زوجها المعتقل في سجن النقب الصحراوي.

زكريا، البالغ 38 عامًا، الذي اعتقله جيش الاحتلال في خضم الحرب، وتحديدًا يوم 3 مارس/ آذار 2024، عند حاجز عسكري أُقيم على أطراف مدينة حمد غرب محافظة خان يونس، وعلاوة على التعذيب الشديد الذي لاقاه منذ اعتقاله، صارت شيماء وطفلاها اللذان نجيا من الإبادة مهددين بفقدانه للأبد بموجب القانون الإسرائيلي الجديد.

"كأن الاحتلال لم يكتفِ باعتقالهم وتعذيب ذويهم المحرومين من أبنائهم، بل يريد الآن إعدامهم وتغييبهم للأبد"، قالت شيماء لـ "فلسطين أون لاين"، بصوتٍ دلَّ على ما يعتمل في صدرها من ألم وخوف.

القانون الذي صوّت "الكنيست" لصالحه بالقراءتين الثانية والثالثة، الاثنين الماضي 30 مارس/ آذار 2026، في خطوة وصفها حقوقيون بأنها "غير مسبوقة وتشكل تصعيدًا خطيرًا ضد حقوق الإنسان والقانون الدولي"، يمنح المحاكم العسكرية الإسرائيلية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام بحق الفلسطينيين "المدانين" بقتل إسرائيليين بـ"دوافع قومية أو عدائية"، أو بقصد الإضرار بأمن كيان الاحتلال.

إلا أن شيماء، التي اعتُقل زوجها أمامها، ولا تعرف سبب الزج به في غياهب السجون، ترفض كل الذرائع التي يروجها الاحتلال، الذي يصف جميع المعتقلين من غزة بأنهم "مقاتلون غير شرعيين".

وترك غياب زكريا قسرًا فراغًا لا يسده أحد في حياة زوجته شيماء، وحياة من تبقى من أطفالها.

أضافت، وقد أطلَّ من عينيها أسىً ثقيل: "لا أعرف الكثير عن زكريا، أخبرني محامون وأسرى محررون أنه تنقل بين عدة سجون قبل أن ينتهي به المطاف بسجن النقب، وقد تعرض لتعذيب شديد، لكن في الأشهر الأخيرة انقطعت أخباره".

تجلس شيماء تحت سقف خيمةٍ هشَّة، لم تجد ملاذًا آخر سواها بعد أن دمر جيش الاحتلال شقتها السكنية، تتابع لساعات طويلة عبر شاشة هاتف ذكي الأخبار الواردة إليها عن الأسرى، رغم أنها قرأتها مرات عديدة، وكلما قرأت خبرًا عاجلًا عن قانون الإعدام وخطورته، تدرك مجددًا أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب.

مأساة شيماء لا تقتصر على حرمانها من زوجها، إذ فقدت اثنين من أطفالها، حمزة (10 أعوام)، ومالك (5 أعوام)، في قصف إسرائيلي استهدفهم في شقة سكنية نزحوا إليها في مخيم النصيرات، بالمحافظة الوسطى من القطاع. ونجت بأعجوبة مع ابنيها البراء (10 أعوام)، الذي أصيب وفقد القدرة على الإبصار، وأنس (3 أعوام).

وتروي أن ذلك اليوم كان فارقًا؛ فعلاوة على اعتقال زوجها، قُصفت هي وأبناؤها، ولم تتمكن من إلقاء نظرة وداع على طفليها الشهيدين، جراء خطورة الإصابة التي قيّدت جسدها بأسِرّة العلاج في المستشفيات عدة أسابيع، فيما علم زوجها بنبأ استشهاد ابنيه حمزة ومالك من خلال أحد محامي هيئة شؤون الأسرى.

وتسبب ذلك القصف، يوم 20 مايو/ أيار 2025، بارتقاء 16 شهيدًا من العائلة، غالبيتهم من الأطفال والنساء.

كل ذلك لم يمنع شيماء من المناداة بحرية زوجها ومشاركتها في فعاليات دعم الأسرى الفلسطينيين المهددين بالإعدام بدم بارد.

في مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غرب مدينة غزة، حيث يُعقد اعتصام أسبوعي، يتجاوز صوتها أسوار المكان، وهي تردد هتافات تدعم الأسرى وتناهض الاحتلال وانتهاكاته بحقهم.

تقول أيضًا: "قانون الإعدام الإسرائيلي خطره كبير جدًا، لا يشرعن قتل الأسرى فحسب، بل يطال كل من هو فلسطيني، بهدف كسر إرادة صموده وطمس هويته الوطنية".

وتؤكد شيماء أن الاحتلال يمارس القتل بحق الأسرى بوسائل مختلفة، منها الإعدامات المباشرة، وعمليات التعذيب الشديد أثناء التحقيق، التي أدت إلى استشهاد عدد كبير منهم، لا سيما ممن اعتُقلوا من غزة، علاوة على سياسة الإهمال الطبي المتعمد، التي تسببت بارتقاء عشرات الأسرى.

عند طرف خيمتها المهترئة، تجلس شيماء (36 عامًا) مع اثنين من أطفالها تبقيا لها. كانت ترى أن الغياب مؤلم وإن كان مؤقتًا، وأن الزمن مهما طال سينتهي بلقاء، لكن بعد إقرار قانون الإعدام، صارت القضية مختلفة تمامًا بالنسبة لها، ولم تعد تتساءل: متى سيعود؟ بل: هل سيبقى حيًّا حتى يعود؟

في ساعات الصباح تنشغل الأم مع طفليها، يتناولون وجبة إفطار خفيفة وسط حالة فقد لم يعرفوا أمرّ منها، وعندما يهبط الظلام وتؤوي إلى فراشها، تبقى فكرة واحدة تدور في رأسها طيلة ساعات الليل، كأنه صوت خافت لا ينتهي: "ماذا لو نُفِّذ القانون؟".

اخبار ذات صلة