لم تعد معاناة الغزيين تقتصر على تأمين الغذاء، بل امتدت إلى أبسط مقومات الحياة اليومية؛ فالنظافة، التي كانت من المسلّمات، تحولت اليوم إلى رفاهية مكلفة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار مواد التنظيف، تجد العائلات نفسها أمام خيارات قاسية: شراء الطعام أم الحفاظ على الحد الأدنى من النظافة، في واقع اقتصادي يزداد قسوة مع استمرار الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
في الأسواق، شهدت أسعار المنظفات ارتفاعًا متسارعًا خلال فترة قصيرة، ما أجبر كثيرًا من المواطنين على تقليل استخدامها أو اللجوء إلى بدائل بدائية، رغم كونها من أساسيات الحياة اليومية.
ارتفاع سريع
تقول شهيرة عودة (27 عامًا)، النازحة من بيت حانون إلى بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، إن أسعار مواد التنظيف ارتفعت بشكل مفاجئ خلال أيام قليلة. وتوضح أن عبوة سائل الجلي (نصف لتر) كانت تُباع بـ7 شواقل، وأصبحت اليوم بـ15 شيقلًا، كما ارتفع سعر قطعة الصابون من 3 إلى 5 شواقل، فضلًا عن الزيادة الكبيرة في أسعار مسحوق الغسيل، الذي كان مرتفعًا أصلًا قبل الحرب.
وتضيف: "لم نعد قادرين على شراء كل شيء كما في السابق، صرنا نختار: صابون أم سائل جلي أم مسحوق غسيل أم شامبو؟ لا يمكننا تأمينها جميعًا".
وتشير إلى أنها كانت تغسل الملابس يوميًا، لكنها باتت تكتفي بغسلها مرة واحدة أسبوعيًا لتقليل الاستهلاك، قائلة: "أبشر ربع قطعة صابون وأذيبها في الماء لأصنع رغوة، ثم أنقع الملابس وأغسلها يدويًا. الأمر مرهق، لكن لا خيار آخر".
ضائع بين الأساسيات
من جهته، يعبّر ياسر الصفدي (40 عامًا) من حي الدرج في مدينة غزة عن صدمته من الارتفاع السريع للأسعار، مشيرًا إلى أن بعض التجار يبررون ذلك بتوقف إدخال المواد، رغم توفرها في الأسواق.
ويقول: "بمجرد توقف تنسيق دخول أي سلعة، يرتفع سعرها فورًا. المواطن اليوم ضائع: هل يشتري خبزًا بعد ارتفاع سعره، أم خضارًا ولحومًا، أم مواد تنظيف؟ كلها أساسيات لا يمكن الاستغناء عنها".
ويؤكد أن الحياة باتت قائمة على المفاضلة القاسية بين الضروريات، في ظل الغلاء وانعدام الدخل لدى كثير من العائلات.
بدائل بدائية
بدورها، تقول هالة مدوخ (38 عامًا) إن عائلتها عانت طوال أكثر من عامين من ارتفاع أسعار المنظفات ونقصها، ما اضطرهم إلى استخدام بدائل رديئة أو مجهولة المصدر.
وتضيف: "أُصبنا بحكة والتهابات جلدية بسبب هذه المواد، لكن لم يكن لدينا خيار آخر".
وتوضح أنها تلجأ إلى تخفيف سائل الجلي بشكل كبير ليكفي عائلتها المكونة من ستة أفراد لأسبوعين، قائلة: "قد أفرط في التخفيف، لكن لا أستطيع شراءه كل أسبوع بهذا السعر".
ولا يتوقف الأمر عند سائل الجلي، بل يشمل الشامبو أيضًا، حيث تقول: "استغنيت عنه تمامًا، وأستخدم الصابون بدلًا منه رغم أنه يسبب جفاف الشعر وتساقطه، لكنه أفضل من لا شيء".
وتشير إلى أنها تتبع طرقًا مرهقة لتقليل الاستهلاك، مثل غسل الملابس قطعةً قطعة، ونقعها لفترات طويلة، أو تصنيع منظفات منزلية بدائية بإذابة الصابون في الماء، رغم أنها أقل كفاءة.
أزمة نظافة
ويؤكد مواطنون أن أزمة مواد التنظيف لا تقل خطورة عن نقص الغذاء والمياه، خاصة في ظل الحياة داخل الخيام ومراكز الإيواء، حيث تتفاقم مشاكل الحشرات والأمراض الجلدية نتيجة الاكتظاظ وضعف ظروف النظافة.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار وشح المواد، تتزايد المخاوف من تفاقم الأوضاع الصحية، لا سيما بين الأطفال، في ظل صعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية ونظافة الملابس، ما ينذر بأزمة إنسانية تتجاوز حدود القدرة على الاحتمال.