فلسطين أون لاين

تقرير الخيمة في غزة… حياة تُدار تحت وطأة النزوح

...
الخيمة في غزة… حياة تُدار تحت وطأة النزوح
غزة/ هدى الدلو:

لم تعد الخيمة في قطاع غزة مجرد مأوى مؤقت، بل غدت مساحة تُدار فيها الحياة بكل تفاصيلها، وساحة تُختبر داخلها قدرة الإنسان على التكيّف النفسي في أقسى الظروف. هنا، حيث تضيق المساحة وتتسع المعاناة، تحاول العائلات خلق توازن هش يحميها من الانهيار.

داخل إحدى الخيام، تجلس أم محمد أبو حطب إلى جانب أطفالها الثلاثة، ترتب الأغطية وتُقسّم المساحة الضيقة إلى ما تصفها بـ"زوايا حياة".

تقول لصحيفة "فلسطين" بصوت مثقل بتعب الأيام: "منذ نزوحنا، أحاول أن أضع نظامًا، حتى لو كان بسيطًا… أحدد وقتًا للأكل وآخر للنوم، وأشغل الأطفال بأي شيء. هذا وحده ما يشعرني أن هناك حياة طبيعية، بدلًا من العشوائية".

وتشير إلى أنها توقفت عن متابعة الأخبار التي كانت تلاحقها على مدار الساعة، مضيفة: "أشعر أنها تكسرني أكثر".

تعكس كلماتها واحدة من أبرز أدوات الصمود في بيئة النزوح، وهي إعادة ترتيب الأولويات؛ فبدل الانشغال بالمستقبل المجهول، يصبح التركيز على إدارة تفاصيل اليوم وسيلة لتخفيف القلق ومنح النفس فرصة للاستمرار.

photo_2026-03-29_16-12-46.jpg

في خيمة أخرى، يجلس الشاب العشريني أحمد طالب، الذي لا يزال في مرحلة التخطيط لمستقبله الجامعي، محاطًا بعائلته، لكنه غارق في صمت طويل. يقول: "أصعب ما في الأمر ليس الظروف فقط، بل الشعور بأن كل شيء خارج عن سيطرتك".

ويوضح لصحيفة "فلسطين" أنه منذ النزوح إلى الخيمة، عاش حالة من التوتر والعصبية المستمرة، وتشتت الذهن، قبل أن يبدأ تدريجيًا في التكيّف، متخليًا عن التفكير المفرط في المستقبل، ومقتنعًا بأن ما يحدث خارج عن إرادته.

من جهته، يوضح الأخصائي النفسي والاجتماعي زهير ملاخة لـ"فلسطين" أن الإنسان في الأزمات يحتاج إلى الشعور بالسيطرة، حتى في أبسط التفاصيل. ويضيف: "تنظيم الحياة اليومية داخل الخيمة، مهما كان محدودًا، يساعد على تقليل التوتر ويمنح شعورًا نسبيًا بالاستقرار".

ويحذر ملاخة من الانزلاق إلى ما يُعرف بـ"العجز المكتسب"، حيث يفقد الإنسان دافعيته وقدرته على التفاعل، مشددًا على أهمية استعادة الإحساس بالسيطرة عبر قرارات يومية صغيرة، مثل ترتيب المكان أو المشاركة في مهام بسيطة.

خيام النازحين في قطاع غزة

ولا تقتصر التحديات على الجوانب المعيشية، بل تمتد إلى الضغط النفسي الناتج عن تدفق الأخبار والمشاهد القاسية. وهنا يؤكد ملاخة أهمية "التحصين المعلوماتي"، من خلال تقليل التعرض للمحتوى السلبي، واختيار بيئة اجتماعية داعمة تعزز الصمود بدل استنزافه.

وفي ظل هذه الضغوط، يصبح التفريغ الانفعالي ضرورة لا يمكن تجاهلها؛ فالبكاء، والحديث، وحتى الصمت الواعي، كلها أدوات تحمي الإنسان من الانهيار. ويضيف: "التفريغ الانفعالي هو صمام الأمان، لأن كبت المشاعر في بيئة ضاغطة قد يؤدي إلى انفجار نفسي أو إنهاك جسدي".

ورغم غياب أبسط مقومات الراحة، تحاول بعض العائلات الحفاظ على توازنها الجسدي والنفسي من خلال حركات بسيطة، أو تمارين تنفس، أو حتى لحظات هدوء قصيرة وسط ازدحام الخيمة.

ويختم ملاخة بالقول: "التقبّل هو الخطوة الأولى نحو التكيّف، ليس بمعنى الاستسلام، بل الاعتراف بالواقع للبحث عن أفضل سبل التعامل معه. الأمل ليس رفاهية… بل ضرورة نفسية، والتمسك به شكل من أشكال المقاومة".

في الخيمة، حيث كل شيء مؤقت إلا المعاناة، يثبت الإنسان أن الصمود لا يحتاج إلى مساحة واسعة، بل إلى إرادة قادرة على إعادة بناء الحياة… حتى من بين الركام.

المصدر / فلسطين أون لاين