يحيي الفلسطينيون يوم الأرض هذا العام في مشهد يُعد من الأشد قسوة، إذ تجاوزت سياسات الاحتلال الإسرائيلي حدود القضم الجغرافي التقليدي، لتتحول إلى ما يمكن وصفه بـ"هندسة اقتصادية" شاملة، تهدف إلى تجفيف مصادر الإنتاج الوطني، وربط ما تبقى من سبل العيش بحالة تبعية كاملة للاحتلال.
في قطاع غزة، لم تقتصر الحرب على تدمير البنية العمرانية، بل طالت جوهر الأرض نفسها. ويؤكد الخبير الزراعي والبيئي، المهندس نزار الوحيدي، أن الاحتلال دمّر بشكل ممنهج البنية التحتية الزراعية، بما يشمل شبكات الري ومحطات تجميع مياه الأمطار.
ويوضح الوحيدي، لصحيفة "فلسطين"، أن قوات الاحتلال ما تزال تتوغل في مساحات واسعة، وتفرض سيطرتها على الأراضي الزراعية الخصبة في المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية، وهي المناطق التي كانت تشكل المصدر الأساسي للأمن الغذائي ومراعي الثروة الحيوانية.
الخبير الزراعي والبيئي، المهندس نزار الوحيدي
ويشير إلى أن غزة تحولت من منطقة منتجة إلى مستهلكة؛ فبعد أن كان إنتاجها يغطي نحو 95% من احتياجاتها، مع وجود فائض للتصدير، أدت الحرب إلى تدمير مقومات الإنتاج بشكل شبه كامل.
وتُظهر تقارير دولية صادرة عام 2026 أن نحو 87% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت للتدمير أو خرجت عن الخدمة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة تتجاوز 92%.
كما يوضح الوحيدي أن الاحتلال اتبع سياسة "الأرض المحروقة" في المناطق الشرقية والشمالية، التي كانت تُعرف تاريخيًا بسلة غزة الغذائية، حيث أدى القصف المكثف، واستخدام القذائف الفسفورية والمتفجرات ذات التأثير التراكمي، إلى تلوث الطبقة السطحية من التربة، ما يعني أن إعادة تأهيل هذه الأراضي قد تستغرق عقودًا طويلة، وتتطلب دعمًا دوليًا واسعًا.
ويضيف أن الاحتلال استهدف الموارد المائية بشكل مباشر، إذ تم تدمير أكثر من 80% من آبار المياه الزراعية، ما أدى إلى انقطاع المياه عن المحاصيل الدائمة، مثل الحمضيات والزيتون. كما جرى تدمير محطات تجميع مياه الأمطار التي كانت تساهم في تغذية الخزان الجوفي والحد من انجراف التربة.
وبحسب الوحيدي، فإن هذه الشبكات الحيوية دُمّرت بالكامل، ما يجعل استئناف النشاط الزراعي مرهونًا بإعادة بناء البنية التحتية من الصفر.
كما أشار إلى أن المناطق التي كانت تضم مزارع الدواجن والأبقار والمناحل في بيت حانون وشرق خان يونس تحولت إلى مناطق عسكرية مغلقة.
وينبّه الوحيدي إلى خطر بالغ يتمثل في فقدان السلالات المحلية من البذور، التي تكيفت مع البيئة والمناخ في غزة عبر آلاف السنين، حيث أدى تدمير المخازن والمزارع النموذجية إلى خسارة أصول وراثية نباتية يصعب تعويضها، ما قد يفرض مستقبلًا تبعية لشركات البذور الإسرائيلية والعالمية.
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور نائل موسى أن الضفة الغربية تعيش واقعًا لا يقل صعوبة، حيث عمل الاحتلال على تمكين المستوطنين من السيطرة على الموارد الفلسطينية، من خلال شق طرق التفتيت، وتحويل مناطق زراعية إلى مكبات للنفايات الصناعية والمواد السامة.
ويبيّن موسى، لـ"فلسطين"، أن المستوطنين استغلوا ظروف الحرب لإقامة أكثر من 84 بؤرة استيطانية جديدة حتى مطلع عام 2026، تركزت في مناطق (C) التي تمثل الامتداد الحيوي للزراعة والمراعي، ما حرم آلاف العائلات من الوصول إلى أراضيها، خاصة حقول الزيتون، وأدى إلى خسائر سنوية تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات.
وفي تطور يُعد الأخطر منذ عام 1968، استأنفت حكومة الاحتلال عمليات تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية، وهو إجراء يهدف، بحسب موسى، إلى شرعنة مصادرة مساحات واسعة تحت مسمى "أراضي دولة".
ويؤكد موسى أن هذا القرار يحول دون استخدام الفلسطينيين لأراضيهم كضمانات للحصول على قروض استثمارية، ما يؤدي إلى تجميد النمو العمراني والاقتصادي في أكثر من 60% من مساحة الضفة.
وتتركز عمليات المصادرة في المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، مثل المياه والمقالع، وهي قطاعات كانت تسهم بنحو 25% من الناتج الصناعي الفلسطيني، وقد أدى هذا الحصار المكاني إلى آثار خطيرة على سوق العمل وتراجع فرص التنمية الاقتصادية.