مع بدء الحرب على غزة، اختفت معظم مراسم الفرح التي اعتادها أهالي القطاع عبر عقود طويلة توارثتها الأجيال، ولم يبقَ منها سوى الثوب الفلسطيني المطرز أو بدلة العروس التي ترتديها في مراسم بسيطة تُقام في أثناء الحرب أو في فترات التهدئة، نتيجة تدمير صالات الأفراح، إذ لا تزال بعض الأعراس تُعقد في مراكز الإيواء أو غرف صغيرة داخل المنازل.
أسقطت الحرب العديد من المراسم، مع تدمير صالات الأفراح ونزوح العائلات التي لم تستطع مشاركة العروسين فرحتهما بسبب التشتت وبعد المسافات، فتعقد الأفراح بحضور عدد أقل، سواء في غرفة داخل المنزل أو داخل خيمة أو مركز إيواء، مقارنة بالطقوس التقليدية قبل الحرب. كما تختلف المهور بين العائلات حسب الإمكانات المالية لكل عائلة.
ورغم ما أسقطته الحرب من طقوس وتكاليف، يصر أهالي القطاع على الحياة وتكوين أسر جديدة، مستمدين من الفرح طاقة للصمود، بينما شجع غياب التكاليف الباهظة بعض الشباب على الزواج بأقل الإمكانات المادية.
زفاف بعد يوم واحد من الخطبة
فصل يوم واحد فقط بين خطبة نجوى الصفدي (40 عامًا) في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2024 ومراسم زفافها في اليوم التالي. حضرت الدموع وغيّبت الحرب أفراد عائلتها، إذ استشهدت والدتها وشقيقها الوحيد وزوجته وأطفاله في 5 نوفمبر/تشرين الأول 2023 أثناء قصف عمارتهم غرب مدينة غزة. نجوى خرجت من تحت الأنقاض كناجية وحيدة بعد عشر ساعات، ونقلت إلى المستشفى بجروح وكسور شديدة في قدمها، واستغرق التعافي منها عدة أشهر.
تقول الصفدي لصحيفة "فلسطين": "جرى الزفاف بعد يوم واحد من الخطبة. كنت نازحة عند عائلة، وأصرت على إقامة مراسم بسيطة وشراء الحلوى، رغم أن أبناء شقيق العريس استشهدوا في ذلك اليوم".
بدون مراسم زفاف كبيرة، وبحضور عائلة العريس وبعض الجيران، زُفّت الصفدي إلى زوجها، وغابت عائلتها بسبب الحرب. وتضيف: "شاركنا بعض جيران المخيم فرحة صامتة احترامًا لأرواح عائلتي وشهداء عائلة زوجي الذين أصيبوا خلال الحرب".
ورغم الفقد، لم تخفِ الصفدي سعادتها بالزواج، قائلة: "فرحنا من الداخل رغم ظروف الحرب، في مراسم بسيطة. كان فقدان أهلي صعبًا جدًا، وكذلك التعامل مع آلام قدمي وأعباء الحياة اليومية، لكن بعد الزواج أصبح لدي سند واحتواء وزوج وشريك حياة".
حين يصبح "العم" أبًا جديدًا
خلال الحرب، ارتفع عدد الأرامل في غزة إلى 16,646 أرملة، وبرزت عادة زواج أرملة الشهيد من أحد أشقائه، ليصبح "العم" أبًا ثانيًا لأبناء الزوجة، والأقدر على رعايتهم وتعويضهم عن فقد والدهم.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، استشهد زوج ابنة أبو كرم قشلان (21 عامًا) تاركًا لها طفلين، وضعت الطفل الثاني بعد استشهاد زوجها، وتولت والدتها رعايتها مع طفليها حتى تقدم شقيق الزوج بعد سبعة أشهر لطلب الزواج من أرملة شقيقه، ومنحت الموافقة بعد تفكير.
يحكي قشلان لـ"فلسطين": "كان القرار صعبًا في البداية، لكن ابنتي أرادت أن يبقى أبناؤها في حضن عائلتهم. تزوجت شقيق زوجها، وتغيرت حياتها، كما أن مسؤولية رعايتها وأطفالها انتقلت عني".
ويصف قشلان زواج ابنته الثاني بأنه "نوع من الصمود في تكوين أسرة والاستمرار في الحياة"، مشيرًا إلى أن المراسم كانت صامتة وبأقل مظاهر الاحتفال، احترامًا للشهداء. ويضيف: "العم أصبح مثل الوالد، يرعى أبناء شقيقه وينادونه بـ 'بابا'، ويعامل ابنتي معاملة حسنة، وهذا أعاد الاطمئنان والسعادة لها بعد صدمة الفقد".
زفاف في غرفة صغيرة
لم تتخيل ليندا أبو عاصي أن تعيش أول فرحة دخول بيت ابنتها الكبرى بلا زوجها الذي استشهد في 20 ديسمبر/كانون الأول 2023 خلال نزوحهم.
في غرفة صغيرة داخل منزل جدها، زُفّت ابنتها بحضور عدد محدود من أفراد العائلة وبعض الجيران، الذين صفقوا وغنوا للعروس محاولة رسم الفرح على وجهها المليء بالدموع.
وتقول أبو عاصي لـ"فلسطين": "بعد استشهاد زوجي بشهرين بدأ البعض يتقدم لطلب الزواج من بناتي، لكني رفضت، وبعد سنة استوعبت الحياة. حاولنا إفراح ابنتي بأقل الطقوس، ارتدت بدلة الفرح كأي عروس، وحضر الزفاف عدد قليل جدًا، لم يتجاوز عشرة أشخاص".
وكان من المقرر أن تُزف ابنتها الأخرى، إلا أن قصف الاحتلال للعمارة التي يسكن بها وتدمير شقتها أرجأ الأمر، لتتأجل فرحة أخرى كانت تنتظرها، ويستمر تأثير الحرب على أصغر تفاصيل الحياة اليومية، بما فيها أفراح الزواج، في غزة.

