بعد نصف قرن على انطلاقته، يعود يوم الأرض ليؤكد أن الذاكرة الفلسطينية لا تموت، وأن الصراع على الأرض لا يزال مفتوحًا، على الرغم من تعقّد المشهد السياسي وتصاعد السياسات الإسرائيلية الرامية إلى المصادرة والتضييق. وبينما تتداخل تداعيات الحرب مع واقع القمع المتزايد، تبقى هذه الذكرى محطة وطنية جامعة، تُجدد تمسّك الفلسطينيين بأرضهم وإصرارهم على مواصلة النضال.
وتعود أحداث يوم الأرض إلى 30 آذار/مارس 1976، حين صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب، ما أشعل إضرابًا عامًا ومواجهات واسعة، أسفرت عن استشهاد ستة فلسطينيين وإصابة واعتقال المئات. ومنذ ذلك الحين، تحوّل هذا اليوم إلى رمز وطني يجسد الدفاع عن الأرض والهوية.
هذا العام، تأتي الذكرى في مدن الداخل الفلسطيني بطابع مختلف، تفرضه الظروف السياسية والأمنية. ويقول عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد، قدري أبو واصل، إن الفعاليات ستقتصر على وقفات محدودة في البلدات التي شهدت استشهاد فلسطينيين، بدلًا من الإضرابات والمظاهرات الواسعة التي كانت تُنظم في الأعوام السابقة.

عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد، قدري أبو واصل
وتشمل هذه الوقفات بلدات مثل سخنين وعرابة وكفر كنا والطيبة، في ظل قيود متزايدة على الحراك الفلسطيني داخل أراضي الـ48.
ويؤكد أبو واصل لـ "فلسطين أون لاين" أن جوهر يوم الأرض لم يتغير، إذ لا تزال سياسات مصادرة الأراضي مستمرة، لا سيما في النقب، إلى جانب قضايا الهدم والقرى غير المعترف بها. ويضيف أن هذه الذكرى لم تعد حكرًا على فلسطينيي الداخل، بل تحوّلت إلى مناسبة وطنية جامعة لكل الفلسطينيين.
ويلفت إلى أن الفلسطينيين في الداخل يواجهون تحديات مركبة، من بينها تصاعد الجريمة والعنف، والتضييق على الحريات، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث شهدت المنطقة حملات اعتقال طالت عشرات الفلسطينيين بسبب مواقفهم السياسية.
ورغم ذلك، يشدد أبو واصل على تنامي الوعي الجماهيري بأهمية التمسك بالأرض، مؤكدًا أن الرسالة الأساسية ليوم الأرض هي "عدم التنازل"، واستنهاض هذا الوعي لمواصلة النضال، مشيرًا إلى أن وجود الفلسطينيين في الداخل بحد ذاته يمثل تحديًا للمشروع الإسرائيلي.
كما يؤكد على أهمية وحدة الشعب الفلسطيني، باعتبارها المدخل الأساسي لتحقيق إنجازات حقيقية في مواجهة التحديات الراهنة.
من جانبه، يوضح المحلل السياسي والاجتماعي سالم الوكيلي أن إحياء الذكرى سيتضمن فعاليات ميدانية متعددة، أبرزها مسيرات العودة إلى القرى المهجرة، وإقامة معسكرات عمل في النقب والجليل والمثلث.
ويشير إلى أن هذه الأنشطة تشمل إعادة بناء بعض البيوت المهدمة وزراعة الأشجار، في محاولة لإحياء الذاكرة الجمعية وترسيخ الوجود الفلسطيني على الأرض، خصوصًا في المناطق المستهدفة بالمصادرة والهدم.
ويؤكد الوكيلي لـ"فلسطين أون لاين" أن الأوضاع بعد السابع من أكتوبر زادت من تعقيد المشهد، في ظل تصاعد الاستيلاء على الأراضي وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية والداخل الفلسطيني، مشددًا على أن الفلسطينيين لا يملكون خيارًا سوى الصمود.
ويقول: "إما أن نبقى ونصمد، أو نتحول إلى لاجئين في أماكن أخرى… ونحن نختار البقاء في أرضنا مهما كانت التحديات".
ويضيف أن الذكرى هذا العام تحمل رسائل متعددة، أبرزها ضرورة تمسك الأجيال الجديدة بنهج الآباء والأجداد في الحفاظ على الأرض، وعدم التفريط بها تحت أي ظرف.
كما توجه رسالة إلى المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، لفضح السياسات الإسرائيلية المتمثلة في الهدم والمصادرة والترحيل، والدعوة إلى تحمّل المسؤوليات القانونية والإنسانية.
وفي السياق ذاته، يحذر الوكيلي من محاولات طمس الهوية العربية للفلسطينيين في الداخل، عبر تقليص مساحة الأرض المتاحة لهم وتجميعهم في مناطق محدودة، مقابل التوسع الاستيطاني.
كما يشير إلى تحديات اجتماعية وثقافية، من بينها انتقال بعض الشباب للعيش في بلدات يهودية، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على الهوية والانتماء.
بعد خمسين عامًا، لا تزال معركة الأرض والهوية مستمرة، وإن تغيّرت أدواتها. لكن جوهرها يبقى واحدًا: الصمود والبقاء.
وفي ظل كل هذه التحديات، تظل ذكرى يوم الأرض شاهدًا حيًا على تمسك الفلسطينيين بأرضهم، وإصرارهم على توريثها للأجيال القادمة، حاملين رسالة واضحة: لن ننسى… وسنبقى ما بقي الزعتر والزيتون.

