لم تعد جنى شحادة (13 عامًا) ترسم كما يفعل الأطفال، بل كما يفعل الناجون. تقف أمام لوحتها، لا لتلوّن فراغًا، بل لتملأ غيابًا أكبر من عمرها، بعد أن خطفت الحرب والدها، وتركتها تواجه العالم بفرشاة وألم لا يُرى.
في غزة، حيث تتسارع الخسارات، تحوّلت الألوان في حياة جنى من لعبٍ طفولي إلى وسيلة نجاة، تحاول من خلالها ترميم ما كسرته الفاجعة. تقول بصوت مثقل: “بعد الحرب كل شيء تغيّر… صرت أحس إني كبرت بسرعة، وصارت الحياة أثقل وفيها فراغ كبير”.
ذلك الفراغ كان غياب الأب، الداعم الأول لموهبتها، والذي ما زالت كلماته ترافقها: “كان دايمًا يشجعني ويقول إني رح أصير فنانة… فقدانه كسر جزء كبير مني، بس خلاني أتمسك بحلمي أكثر”.
لم تكن الخسارة وحدها ما غيّر جنى، بل الصدمة التي أعقبتها، صمت ثقيل وشعور بفقدان الأمان: “كأني فقدت الأمان في الدنيا”، تقول، قبل أن تجد في الرسم صوتًا بديلًا يعبر عمّا تعجز الكلمات عن حمله.
قبل الحرب، كانت حياة جنى بسيطة، مليئة بتفاصيل صغيرة تمنحها الفرح؛ الرسم، والوقت مع والدها، وأحلام طفولية خفيفة. لكن الحرب لم تغيّر يومياتها فقط، بل أعادت تشكيل عالمها الداخلي ولغتها الفنية.
توضح جنى أن أسلوبها تغيّر كليًا: “كنت أرسم أشياء جميلة وبسيطة، بعد الحرب صار الرسم أعمق… فيه حزن، بس كمان فيه أمل”. لم تعد الألوان زاهية كما كانت، بل مالت إلى الهدوء والظلال، تحمل في طياتها ما عاشته من فقد وانتظار.
في إحدى لوحاتها، ترسم فتاة تجلس وحيدة أمام البحر، تحدق في الأفق. تشرح: “هاي اللوحة تعبر عن اشتياقي… كأنها بتفكر بشخص غايب”، بينما تحلق حمامة بيضاء في الزاوية، “كأنه أمل… أو روح تراقب”.
لم تعد لوحات جنى مجرد رسومات، بل صارت ذاكرة حية: “كل لوحة فيها قصة أو شعور عشته… صارت وسيلة أفهم فيها نفسي”. وتضيف أن أكثر ما يجذبها هو رسم الوجوه والعيون، لأنها “تحكي مشاعر بدون كلام”.
بين كل لوحة وأخرى، تعيش جنى صراعًا داخليًا: “بكون بين ألم وراحة… الألم لأني بتذكر، والراحة لأني بطلع اللي جواي”. وهي لا ترسم مشاهد الحرب مباشرة، بل ترسم أثرها العميق، باستخدام ألوان باهتة وظلال تعبّر عن الشعور لا الحدث.
تدرك جنى، رغم صغر سنها، أن الفن يمكن أن يكون رسالة، وسيلة لنقل ما يعجز الآخرون عن قوله: “الفن يوصل الحقيقة ومشاعر الناس… وكل لوحة إلها رسالة”.
وفي عالمها الصغير، لا تختفي الخسارة، لكنها تتبدل شكلًا؛ تصبح لونًا، أو ظلًا، أو ملامح وجه صامت. هناك فقط، تجد جنى طريقة لتجعل الحزن مرئيًا… وأقل قسوة.
وتختصر رحلتها بجملة واحدة: “حتى لو في حزن… الإنسان بيقدر يحوله لشيء جميل”.
جملة بسيطة، لكنها في حياة جنى، ليست مجرد كلمات… بل طريقة للبقاء.