في خيمة نزوحها القسري وسط مدينة غزة، تخوض رجاء الضبة (38 عاما) غمار الحمل وسط معاناة مع سوء التغذية وانعدام مقومات العيش. وكانت المرة الأخيرة التي حصلت فيها على مساعدة من مؤسسة دولية في يناير/كانون الثاني، وفق إفادتها.
ولا تملك رجاء القدرة الشرائية لتلبية احتياجاتها من الخضار والفواكه فضلا عن اللحوم، قائلة لصحيفة "فلسطين": لدي سبعة أطفال يبلغ أكبرهم 16 عاما، إذا اشتريت كيلوجرامًا واحدً من الخيار بـ15 شيقلا، هل سيكفي لكل شخص خيارة واحدة؟
يجسد هذا المشهد حال مئات الآلاف من الغزيين ولا سيما النازحين في الخيام المهترئة، في ظل انعدام للمأوى وشح في المساعدات الإنسانية وسبل العيش كالغاز اللازم للطهي، بالرغم من سريان اتفاق وقف حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول.
في الخيمة، تعجن بعض السيدات لإعداد بعض الخبز بينما تقول رجاء: "لا أحد من أسرتي يعمل حاليا. أوضاعنا سيئة جدا لا نملك مالا لنشتري الطعام أو الملابس، وبالكاد نوفر العجين والخبز، أما البندورة والبطاطا وغيرها فهي مرتفعة الثمن".
وتعتاش رجاء التي كانت تقطن في حي الشجاعية شرق مدينة غزة ودمر الاحتلال منزلها على ما توفره تكية الطعام التي يرتهن عملها أيضا بمدى توفر الأصناف الغذائية، والجهة الممولة.
تشتكي السيدة من شح المساعدات الإنسانية التي تقدمها المؤسسات الدولية، قائلة إنها حصلت على مبلغ 1200 شيقل فقط في يناير/كانون الثاني وكيس طحين وطرد غذائي من البقوليات لا تنجح في تحسين الواقع المعيشي لأسرتها، ومنذ ذلك الحين لم تتلق شيئا.
ورغم أن رجاء تعمل على إنضاج الخبز للنازحين في منطقتها على فرن الطينة بمقابل مالي رمزي، فإنها توضح أن أقصى مبلغ تحصله يوميا لا يتجاوز 30 شيقلا.
وفي المرة الأخيرة التي زارت فيها الطبيب، طلب منها تناول الفواكه والخضار حيث ظهرت عليها علامات سوء التغذية واصفرار وشحوب الوجه، لتتساءل: "من وين أشتري؟".
وفي مساحة ضيقة أمام الخيمة، فرشت رجاء الأرض ببعض الأرغفة المتعفنة من الخبز، تقول إنها تستخدمها في إيقاد النار حيث نفدت حصتها الأخيرة من الغاز سريعا في فبراير/شباط، وذلك في مشهد آخر للمعاناة الإنسانية.
تضيف: إلى جانب الخبز المتعفن، نستخدم الحفاضات التي يجمعها أبنائي من الشارع، والنايلون، ما يتسبب بإصابتي بأزمة صدرية.
حرب من نوع آخر
وفي خيمة أخرى لا تقل قسوة، تلاحق آمنة شخصة (55 عاما) أشعة الشمس بعد منخفض جوي شهدته غزة على مدار يومين، أدى إلى غرق خيمتها الممزقة من جوانب عدة.
تحاول آمنة التكيّف مع واقع النزوح القسري الممتد منذ أن قصف الاحتلال منزلها في حي الشجاعية، وباتت أنقاضه تقع ما وراء "الخط الأصفر" الذي يقسم قطاع غزة ويسيطر الاحتلال بموجبه على أكثر من 50% من الأراضي بالقوة العسكرية.
بينما تشير بيدها إلى الوحل أمام خيمتها، تقول لصحيفة "فلسطين": هذا المشهد يعبر عن جزء من واقعنا بلا إيواء ولا مساعدات. هنا أعيش مع زوجي واثنين من أبنائي، أكبرهما يبلغ 26 عاما، ولا أحد منهم يعمل منذ بداية حرب الإبادة، مبينة أنهم كانوا يمتهنون مجال الدهانات.
تحت النار، نزحت آمنة مرارا وتكرارا لينتهي بها الحال في أحد المخيمات وسط المدينة، لترافقها حرب من نوع آخر عنوانها الافتقار إلى مقومات العيش.
وعن المساعدات، تقول: إنها حصلت قبل شهرين تقريبا على مساعدات من برنامج الأغذية العالمي معظمها عبارة عن بقوليات وزيت نباتي، مضيفة: لا يؤثر ذلك في تحسين معيشتنا.
وتؤكد آمنة المصابة بمرض الضغط، عدم حصولها على أي مساعدة مالية من أي مؤسسة دولية، واصفة واقعها اليومي: "الوضع صعب، ما بنلاقي نشتري شيء لا غذاء ولا فراش".
وتشير إلى اعتمادها على التكية التي يقوم عليها "أهل الخير" وتوفر أطعمة كالفاصولياء، والأرز.
أما عن الغاز، فيفتح جرحا عميقا في نفسها، إذ حرمت منه على مدار شهر رمضان الفائت، لاسيما مع إغلاق الاحتلال المعابر بذريعة الحرب على إيران، لتعتمد على إيقاد النار باستخدام النايلون والكرتون.
وفي شهادة ثالثة، يروي غسان العطار (34 عاما) معاناته مع النزوح المتكرر وتدهور الظروف المعيشية، قائلا: عندي أربعة أطفال، اثنان منهم مصابان خلال الحرب.
ويضيف العطار لـ"فلسطين": الأوضاع المعيشية على كل قطاع غزة صعبة، نزحنا 14 أو 15 مرة، آخر مرة بقينا في الشمال، رغم تعرضنا للتهديد من جيش الاحتلال والقصف أيضا.
واليوم يفتقر الرجل إلى القدرة على شراء احتياجات أسرته بما في ذلك الخبز والخضار. يقول: الوضع صعب، ولم أحصل على المساعدة النقدية من المؤسسات الدولية سوى لمرة واحدة.
وكحال سابقيه حصل العطار منذ اتفاق وقف الحرب على طردين من البقوليات والطحين، وهو ما لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات أسرته من الغذاء.
ويشير إلى اعتماده على التكية وما وفره أحيانا بعض المبادرين بجهود شخصية منهم، وهو ما ينطبق على الخيمة التي يقيم فيها، بعدما قصف الاحتلال خيمة كان يؤوي إليها وتعود لشقيقته.
وعلى صعيد الغاز، هز العطار، المتعطل عن العمل، أنبوبته الفارغة بأسى، مشيرا إلى أنه يجبر على إيقاد النار، واستنشاق الدخان الضار المنبعث منها.
تخفيض كمية المساعدات
في تفاصيل الكارثة الإنسانية بغزة، يقول المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي د.إسماعيل الثوابتة إن الاحتلال "الإسرائيلي" تعمّد خفض كميات المساعدات والبضائع، بما في ذلك غاز الطهي، إلى نحو 10% فقط من الكميات التي اتفق عليها، وهو ما يمثل عجزا حادا وغير مسبوق في تدفق الاحتياجات الأساسية إلى القطاع.
ويضيف الثوابتة لـ"فلسطين": هذا الانخفاض الكبير يعكس سياسة تضييق ممنهجة تستهدف تقويض مقومات الحياة الأساسية للسكان في قطاع غزة من قبل الاحتلال "الإسرائيلي".
وينعكس هذا العجز بشكل مباشر وخطير على الأوضاع المعيشية، حيث أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء، وتعطّل العديد من المرافق الحيوية، وتراجع القدرة على توفير الخدمات الأساسية، فضلاً عن اشتداد أزمة الوقود وغاز الطهي، الأمر الذي يثقل كاهل المواطنين ويضاعف من معاناتهم اليومية، وفق تأكيد المسؤول الحكومي.
ويحذر من أن هذا الواقع يهدد بانهيار قطاعات حيوية كالصحة والمياه والطاقة وقطاع البلدية بشكل عام، في ظل عجز واضح عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية، ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة تتطلب تدخلاً عاجلاً وفعّالاً من المجتمع الدولي.
ويتابع الثوابتة: ندين ذلك بأشد العبارات، ونحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التداعيات الإنسانية الكارثية التي خلفها الحصار وهذه السياسات الكارثية تجاه السكان المدنيين.
ويطالب الوسطاء والجهات الضامنة للاتفاق والجهات الراعية للاتفاق بالضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال الغذاء ووقف سياسة التجويع.
وعلى مدار حرب الإبادة، تعمد الاحتلال استخدام التجويع والتعطيش سلاح حرب ضد الأهالي في غزة إلى جانب القتل والتشريد. وأدت الحرب إلى استشهاد أكثر من 70 ألف مواطن وإصابة 170 ألفا آخرين وتشريد مئات الآلاف قسرا.
وبين خيامٍ ممزقة وموائد فارغة، يخوض الغزيون معركة بقاء يومية في وجه التجويع والبرد والخذلان. معركة تُثقل صدور من يعيشونها كل يوم، بانتظار بصيص نجاة لم يأت بعد.