أكدت خبيرة في القانون الدولي أن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف في بروكسل، الذي أدان تقاعس الدولة البلجيكية عن منع التواطؤ في خطر الإبادة في غزة، يشكل سابقة قضائية لافتة في أوروبا.
وأوضحت أستاذة القانون والسياسة في فرنسا الدكتورة لينا الطبال، أن هذا القرار لا يكتفي بإقرار وجود خطر جسيم، بل يحمّل الدول مسؤولية قانونية مباشرة عن عدم التحرك، في سياق الانتهاكات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال في غزة، ما يعيد تعريف حدود الالتزام الدولي بواجب الوقاية.
سابقة لمساءلة الدول عن التواطؤ
وشددت الطبال في حديثها لصحيفة "فلسطين" على أن القرار القضائي يشكل نقلة نوعية في الاجتهاد القضائي الأوروبي، لأنه يكرس دور القضاء الوطني كفاعل مباشر في إنفاذ قواعد القانون الدولي.
وتضيف أن أهمية الحكم لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه يوسع نطاق الاختصاص القضائي ليشمل مراقبة التزامات الدولة خارج حدودها.
وقد اعتبرت المحكمة في قرارها الصادر الأربعاء الفائت، أن الدولة البلجيكية أخفقت في التحرك في الوقت المناسب، رغم التحذيرات الدولية من خطر وقوع إبادة جماعية في غزة، ما يشكل خطأ جسيما.
وتوضح الطبال أنه استناد المحكمة إلى التحذيرات الدولية، خاصة التدابير المؤقتة، يمنح الحكم قوة قانونية معتبرة. مضيفة أن واجب الوقاية لا يتطلب وقوع الجريمة، بل يكفي وجود خطر معقول، وهو ما يجعل الامتناع عن التحرك تقصيرا قانونيا.
ويأخذ القضاء على حكومة بروكسل تسويفها رغم وجود حالة ضرورة قصوى تتعلق بالحق في الحياة، فبعد ان حذرت محكمة العدل الدولية في 26 يناير 2024 من خطر حقيقي لوقوع إبادة جماعية في غزة، باتت بلجيكا ملزمة قانونا بتتخاذ إجراءات فورية لتجنب التواطؤ.
ومع ذلك لم يصدر المرسوم الملكي الذي يحظر عبور الطائرات المحملة بمعدات عسكرية متجهة إلى إسرائيل في الأجواء البلجيكية إلا في يناير 2026، وهي مهلة تقارب عامين اعتبرتهت المحكمة تقصيرا فادحا يثبت ان الدولة لم تفعل ما في وسعها في الوقت المناسب.
وتشرح الطبال أن "التواطؤ في القانون الدولي" لا يعني المشاركة المباشرة، بل يشمل كل أشكال الدعم أو التسهيل مع العلم بالخطر، وتضيف أن "العنصرين الأساسيين هما: المعرفة، والمساهمة، حتى لو كانت غير مباشرة".
وكانت المحكمة قد اعتبرت أن تأخر السلطات في فرض قيود على عبور الشحنات الحساسة، رغم التحذيرات، يعزز فرضية العلم دون اتخاذ إجراءات كافية.
إغلاق ثغرات التواطؤ
وترى الطبال أن إدراج "السلع ذات الاستخدام المزدوج" يمثل تحولا مهما في فهم طبيعة الدعم غير المباشر. موضحة أن هذا التوسع يعكس وعيا قانونيا بتعقيد سلاسل التوريد الحديثة، حيث لم يعد الدعم العسكري مباشرا فقط.
وقد شددت المحكمة على ضرورة تعزيز الشفافية في التعامل مع هذه السلع، وبيان الإجراءات المتخذة بشأنها.
وتؤكد الطبال أن القرار يفتح الباب أمام دينامية قانونية جديدة داخل أوروبا، حيث يمكن لمحاكم أخرى أن تستند إليه. مشيرة إلى أن منظمات المجتمع المدني ستلعب دورا محوريا في نقل هذا النموذج إلى دول أخرى.
وترى أن الأثر التراكمي لمثل هذه الأحكام قد يؤدي إلى تضييق فعلي في مسارات التوريد المرتبطة بالنزاعات.
آليات التنفيذ وبداية التحول
وتوضح الطبال أن تنفيذ الحكم ممكن عبر القضاء الإداري، بما في ذلك فرض غرامات تهديدية، وتضيف أن هناك أيضا أدوات رقابية برلمانية يمكن أن تدفع نحو الامتثال.
وتشير إلى أن المشكلة الأساسية تبقى في توفر الإرادة السياسية لدى الدول الاوروبية، وليس في غياب الآليات القانونية.
وتؤكد الطبال أن هذا القرار قد يمثل بداية تحول تدريجي في دور القضاء الأوروبي، وتضيف أن استمراره يعتمد على مدى تكرار مثل هذه الأحكام في دول أخرى.
وتشدد أستاذة القانون والسياسة أن القيمة الحقيقية للحكم البلجيكي ستتحدد بقدرته على التحول إلى اتجاه عام، لا أن يبقى حالة متقدمة لكنها معزولة.