قائمة الموقع

خطة نزع سلاح غزة... إدارة للصراع أم مسار لإنهائه؟

2026-03-28T09:12:00+03:00
إجماع شعبي وعشائري وفصائلي: سلاح المقاومة خط أحمر
فلسطين أون لاين

تُظهر التجارب التاريخية لحركات التحرر الوطني أن تخليها عن السلاح لا يحدث إلا في حالتين: الهزيمة الكاملة، أو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. غير أن أياً من هذين الشرطين لا يتوافر في الحالة الفلسطينية الراهنة، ما يسلّط الضوء على محدودية واقعية خطة نزع سلاح قطاع غزة التي يُعاد طرحها مؤخراً.

وتكشف قراءات تحليلية للخطة المقترحة عن تقاطعات واضحة في توصيف جوهرها؛ إذ يتفق مراقبون على أنها تتجاوز البعد الأمني الظاهري، لتلامس إعادة تشكيل الواقعين السياسي والأمني في القطاع.

ويرى خبيران تحدثا لـ "فلسطين أون لاين" أن الخطة تقوم على معادلة غير متكافئة، تربط بين التزامات استراتيجية طويلة الأمد من الجانب الفلسطيني، مقابل إجراءات إنسانية مؤقتة، بما يحوّل الاحتياجات الأساسية للسكان إلى أدوات ضغط.

وكانت قناة الجزيرة القطرية قد كشفت عن خطة متكاملة لنزع السلاح في قطاع غزة، قدمها المبعوث الأممي السابق نيكولاي ميلادينوف، تقوم على مسار تدريجي متعدد المراحل وفق مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة"، بحيث تُنفذ التزامات متزامنة بين دولة الاحتلال وحركة "حماس"، دون الانتقال إلى أي مرحلة جديدة قبل استكمال المرحلة السابقة من الطرفين.

اقرأ أيضًا: قيادات وطنيَّة تدعو لموقف فلسطينيّ موحَّد ضدَّ خطَّة "نزع السِّلاح"

وتعتمد الخطة على دمج ملف نزع السلاح ضمن إطار سياسي وأمني شامل، لا كإجراء منفصل، وتشمل مبادئ أساسية، أبرزها: إدخال مواد الإعمار إلى المناطق التي يُتحقق من خلوها من السلاح، وإنشاء نظام حكم يقوم على "سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد"، إضافة إلى نقل إدارة قطاع غزة تدريجياً إلى لجنة وطنية فلسطينية تُشرف على الجوانب الإدارية والأمنية، مع وجود إشراف وآليات تحقق دولية.

إعادة هندسة الواقع

يقول أستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض لـ "فلسطين أون لاين": إن خطة نزع السلاح المطروحة "لا يمكن قراءتها كخطة أمنية تقنية، بل كمشروع سياسي متكامل لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني في القطاع، بما يتجاوز مسألة السلاح إلى إعادة تشكيل موازين القوة وطبيعة الحكم".

أستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس، أحمد رفيق عوض

وأوضح عوض أن أخطر ما في الخطة يتمثل في ربطها بين نزع السلاح وملفات إنسانية كالإعمار والإغاثة، معتبراً أن ذلك يشكّل تحويلاً للحقوق الأساسية إلى أدوات ضغط سياسية.

وأضاف: "حين يصبح إدخال الغذاء والإعمار مشروطاً بتفكيك أدوات القوة لدى طرف فلسطيني، فنحن لا نكون أمام خطة سلام، بل أمام عملية ابتزاز سياسي مغلّفة بلغة إنسانية".

عشائر غزَّة: ملادينوف أخفق في مهامِّه وسلاح المقاومة لا يمكن تسليمه

ورأى أن مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة" يبدو متوازناً في ظاهره، لكنه غير متكافئ في جوهره، إذ يُطلب من المقاومة اتخاذ خطوات استراتيجية طويلة الأمد، مقابل إجراءات إسرائيلية مؤقتة وقابلة للتراجع.

وتابع: "هناك خلل بنيوي في فكرة التوازي؛ ما يُطلب من الفلسطينيين هو تغيير استراتيجي دائم، بينما ما يُعرض عليهم تسهيلات مؤقتة يمكن سحبها في أي لحظة".

وأشار إلى أن إدخال آليات رقابة دولية على السلاح يفتح الباب أمام وصاية أمنية خارجية على قطاع غزة، بما يمس جوهر السيادة الفلسطينية، ويحوّل الملف الأمني إلى ملف مُدار دولياً.

وأضاف: "الحديث عن رقابة دولية ليس تفصيلاً تقنياً، بل تأسيس لمرحلة جديدة تُدار فيها غزة أمنياً من الخارج تحت عنوان الاستقرار".

وأكد أن جوهر الخطة لا يتعلق بالسلاح فحسب، بل بمن يحكم غزة، في ظل الحديث عن "سلطة واحدة وسلاح واحد"، وهو ما يعكس – برأيه – محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي وفق شروط خارجية.

وختم بالقول: "نحن أمام محاولة لنقل ما فشلت (إسرائيل) في تحقيقه عسكرياً إلى مسار سياسي طويل النفس، هدفه تفكيك بنية المقاومة وإعادة تشكيل غزة سياسياً وأمنياً وفق معادلات جديدة".

استثمار سياسي

من جانبه، قال المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، البروفيسور إبراهيم جابر، لـ "فلسطين أون لاين": إن قراءة الخطة من زاوية إسرائيلية تكشف أنها تمثل استثماراً سياسياً لنتائج الحرب، ومحاولة لترجمة العجز العسكري عن حسم ملف المقاومة إلى مكاسب استراتيجية عبر المسار الدبلوماسي.

وأوضح أن (إسرائيل) تسعى من خلال هذه الخطة إلى تحقيق هدف مركزي يتمثل في نزع السلاح دون تقديم ثمن سياسي حقيقي، خاصة في ظل غياب أي التزام واضح بإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية.

المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، إبراهيم جابر

وأضاف: "المعادلة المطروحة خطيرة: نزع سلاح مقابل تحسين شروط الحياة، وليس مقابل إنهاء الاحتلال، وهو ما يعكس جوهر الرؤية الإسرائيلية".

وأشار إلى أن التجارب التاريخية للحركات المسلحة تُظهر أن التخلي عن السلاح لا يحدث إلا في حالتين: هزيمة كاملة أو تسوية سياسية شاملة، مؤكداً أن أياً منهما غير متوفر حالياً.

وأضاف: "طلب نزع السلاح دون أفق سياسي واضح يشبه مطالبة أي حركة بالتخلي عن مصدر قوتها الوحيد دون مقابل حقيقي، وهو أمر غير واقعي سياسياً".

ولفت إلى أن الخطة تعتمد على مراحل طويلة ومعقدة، ما يجعلها أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، إذ يُبقى الطرف الفلسطيني تحت ضغط دائم مرتبط بالتزامات أمنية متصاعدة.

وتابع: "هذه ليست خطة لإنهاء الصراع، بل لإدارته على المدى الطويل، بما يُبقي غزة في حالة اختبار مستمر للالتزام الأمني مقابل الاحتياجات الإنسانية".

وأكد أن ربط كل مرحلة بآليات تحقق دولية يمنح (إسرائيل) قدرة غير مباشرة على تعطيل التنفيذ أو تأخيره، عبر التشكيك في التزام الطرف الفلسطيني.

وختم بالقول: "(إسرائيل) تحاول تحقيق ما عجزت عنه بالقوة عبر هذه الخطة: تفكيك البنية العسكرية للمقاومة تدريجياً، دون دفع ثمن سياسي، ما يجعلها خطة غير متوازنة وقابلة للتعثر".

اخبار ذات صلة