في قطاع غزة، لا تقتصر خسائر الحرب على البيوت والأرواح، بل تمتد لتعيد تشكيل الأدوار داخل الأسرة، فقد وجد آلاف الآباء أنفسهم فجأة في مواجهة مسؤولية مزدوجة؛ آباءً وأمهات في آنٍ واحد، في بيئة قاسية تعصف بها المجاعة والقصف والحرمان.
تشير تقديرات اليونيسف إلى أن نحو 17 ألف طفل في غزة أصبحوا غير مصحوبين أو منفصلين عن ذويهم، في حرب خلّفت ندوبا نفسية عميقة، إذ يؤكد مختصون أن فقدان الأم يمثل صدمة نفسية حادة للأطفال، مع ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة إلى مستويات غير مسبوقة تقارب 85%.
في هذا الواقع، يتحمل الآباء الناجون عبئا مركبا؛ فهم مطالبون بتضميد جراحهم الشخصية، واحتواء خوف أطفالهم، وتأمين الحد الأدنى من الحياة مع شح الغذاء وانهيار المنظومة المعيشية.
وسط هذه الأرقام الثقيلة، تتجسد المأساة بوضوح في قصة الشاب فكري إبراهيم القايض، الذي تحولت حياته في لحظة واحدة من أب لأربعة أطفال إلى أبٍ وأمٍ لأسرة مثخنة بالفقد.
في خيمة مهترئة بمدينة غزة، يجلس فكري (38 عاما) محاولا تصفيف شعر ابنته جنى (13 عاما)، بينما يراقب أشقاءها إبراهيم (10 أعوام)، وعبد الله (8 أعوام)، ومالك (5 أعوام)، في مشهد يختلط فيه الحنان بالعجز. يغيب عن هذا المشهد الطفل زكريا، الذي استشهد قبل أن يتم عامه الخامس، تاركا فراغا ثقيلا في ذاكرة العائلة.
اقرأ أيضًا: غزَّة تحزن في يوم الأم: أمَّهات مبتورات وأبناء أيتام وأحلام مقطوعة
يروي فكري لحظة الانكسار لـ "فلسطين أون لاين" قائلا: “انهار كل شيء فوق رؤوسنا خلال ثوانٍ… الغبار والصراخ ملآ المكان”، في إشارة إلى القصف الذي أودى بحياة زوجته تغريد وطفلهما زكريا، وأصاب من نجا منهم بجراح جسدية ونفسية.
منذ تلك الليلة، وجد فكري نفسه في معركة يومية للبقاء؛ لا يقتصر دوره على توفير الطعام، بل يمتد ليشمل كل تفاصيل الأمومة. يقول: “أصعب ما في الأمر أن تحاول تعويض حضن الأم… أطفالي كانوا يرون الأمان في عيونها، واليوم يبحثون عنه في يديّ”.
في ظل المجاعة، يخاطر فكري بحياته يوميا، متسللا قرب مناطق التماس بحثا عن كيس طحين أو بعض البقوليات. يصف ذلك قائلا: “كنت أزحف تحت النيران… صراخ أطفالي من الجوع كان أقسى من الرصاص”.
وبالرغم من هذا الخطر، أصبح في نظر أطفاله “الأب البطل”، بينما يخفي داخله وجعا مضاعفا بين الفقد والخوف المستمر.
داخل خيمته، يخوض فكري معركته الصامتة: يغسل الملابس، يطهو ما تيسر، ويحاول تعليم أطفاله في ظل غياب المدارس. يتنقل بين أدوار متناقضة؛ رقة الأم وحزم الأب، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من توازن الأسرة.
يقول مبتسما رغم التعب: “تعلمت كيف أكون رقيقا وأنا أصفف شعر جنى، وحازما مع إبراهيم، وحنونا مع مالك حين يسأل: متى ستعود أمي؟”.
في خيام غزة الممتدة، لا تبدو قصة فكري استثناء، بل صورة مكثفة لآلاف الآباء الذين يقاتلون بصمت من أجل إبقاء أطفالهم على قيد الحياة… وعلى قيد الطفولة.
وبين ركام الفقد وثقل المسؤولية، تتحول الأبوة في غزة إلى شكل نادر من البطولة، حيث يصبح البقاء نفسه إنجازا، والاستمرار… مقاومة.