أصبحت المعاملات المالية اليومية في قطاع غزة أكثر تعقيدًا، في ظل الاعتماد المتزايد على الدفع الإلكتروني مقابل تراجع السيولة النقدية وضعف خدمات الإنترنت، ما يضع المواطنين أمام عراقيل متكررة للحصول على احتياجاتهم الأساسية.
ومنذ أكثر من عامين، يمنع الاحتلال إدخال الأوراق والعملات النقدية إلى قطاع غزة، الأمر الذي فاقم معاناة المواطنين ودفعهم إلى اللجوء إلى وسائل الدفع الإلكتروني كبديل، غير أن هذا الحل أفرز مشكلات جديدة زادت من تعقيد المشهد.
معاناة يومية
تقول الطالبة منى بركة، التي تدرس في جامعة الأزهر، إنها تعتمد على المحفظة الإلكترونية لدفع أجرة المواصلات بين دير البلح ومدينة غزة، لكنها تواجه صعوبات مستمرة بسبب ضعف الاتصال بالإنترنت.
وتوضح بركة لصحيفة "فلسطين": "في كثير من الأحيان أتأخر عن محاضراتي لأنني لا أستطيع إتمام عملية الدفع، وغالبًا ما يرفض السائق تأجيل الدفع إلى حين توفر الشبكة".
وترى أن التحول شبه الإجباري نحو الدفع الإلكتروني يتطلب حلولًا مرافقة، مشيرة إلى أن توفير خدمة إنترنت مستقرة بات ضرورة لتمكين المواطنين من استخدام المحافظ الإلكترونية في تنقلاتهم واحتياجاتهم اليومية.
وفي السياق ذاته، يقول السائق محمد ماضي، الذي يعمل يوميًا على خط غزة – وسط القطاع، إن تأخر عمليات الدفع يضعه في مواقف صعبة مع الركاب ويتسبب في تأخير رحلاته.

ويضيف: "في كثير من الأحيان ينتظر الراكب حتى يجد إنترنت ليحوّل الأجرة، وهذا يؤخر باقي الركاب. لا أستطيع دائمًا قبول الدفع لاحقًا لأنني أعتمد على الدخل اليومي".
تحويلات معلّقة
ومع ارتفاع وتيرة الإنفاق خلال مواسم مثل عيد الفطر، برزت إشكالية إضافية تمثلت في تأخر أو تعليق التحويلات المالية عبر المحافظ الإلكترونية.
ويشير المختص في التكنولوجيا أحمد شقورة إلى أن زيادة الضغط على الأنظمة وتطبيقات البنوك خلال هذه الفترات، لا سيما في عيد الفطر، تسببت بخلل في بعض الخدمات.
وأوضح شقورة لـ"فلسطين": "اشتكى كثير من المواطنين من عدم وصول المبالغ المحوّلة، حيث تُحتجز الأموال لفترات تتراوح بين خمسة وأربعة عشر يومًا قبل إعادتها إلى المرسل، ما يعطل العمليات التجارية ويخلق إشكاليات في المعاملات اليومية".
من جهته، يؤكد حازم أبو سليم، صاحب محل مواد غذائية في مدينة غزة، أن هذه المشكلة أثرت بشكل مباشر على عمله، وتسببت له بمواقف محرجة مع الزبائن.
ويقول: "أحيانًا يأتي الزبون وقد أرسل المبلغ، لكن لا يصلني شيء. أضطر إلى تأجيل التسليم أو رفضه، ما يسبب توترًا وخسارة في الوقت وربما في الزبائن".
أزمة سيولة
يأتي هذا التحول في ظل أزمة سيولة مستمرة تفاقمت منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، مع القيود المفروضة على إدخال الأموال إلى القطاع، ما أدى إلى تدهور حالة العملة الورقية المتداولة ورفض كثير من التجار للأوراق التالفة أو لبعض الفئات المعدنية.
وأمام هذا الواقع، اتجه المواطنون والتجار إلى التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية كوسيلة أساسية لتلقي الرواتب والمساعدات المالية، إضافة إلى تسوية معاملاتهم اليومية.
ورغم أن الدفع الإلكتروني وفر بديلًا جزئيًا لأزمة النقد، فإنه لا يخلو من التحديات، إذ يتطلب استخدامه توفر هواتف ذكية حديثة واتصالًا مستقرًا بالإنترنت، وهو ما لا يتوفر لجميع السكان.
كما ظهرت أعباء إضافية، تمثلت في ارتفاع عمولات تحويل الأموال من المحافظ الإلكترونية إلى نقد، والتي وصلت في بعض الحالات إلى نسب مرتفعة، ما زاد من الضغط الاقتصادي على المواطنين.

