في خيام النزوح المنتشرة بقطاع غزة، تتفاقم معاناة النازحين يومًا بعد آخر، مع انتشار واسع للحشرات القارصة التي تحوّل الليل إلى معركة يومية مع الحكة والألم، وتُثقل كاهل العائلات التي تعيش أصلًا ظروفًا إنسانية قاسية.
داخل خيمة متواضعة في مواصي خان يونس، تعيش مريم عبد العال (38 عامًا) مع أطفالها الأربعة، بينهم رضيعة لم تتجاوز ستة أشهر. تصف معاناتها قائلة إن الحكة الشديدة في قدميها تحرمها النوم، وتدفعها أحيانًا إلى خدش جلدها حتى النزف، فيما تقضي طفلتها ليالي طويلة في البكاء بسبب لسعات الحشرات.
وتوضح مريم لصحيفة "فلسطين" أن الرطوبة الدائمة داخل الخيمة تعيق التخلص من الحشرات، رغم محاولاتها تشميس الأغطية والفرشات، مضيفة أن الأدوية والمراهم غير متوفرة، ما يجبرها على الاكتفاء بغسل قدميها بالماء لتخفيف الألم.
ولا تختلف معاناة ميسون الطويل (40 عامًا)، التي تلجأ إلى حلول بدائية لتخفيف الحكة، مثل استخدام زيت الزيتون أو خلط النشا بزيت نباتي ووضعه على أماكن اللدغات، في ظل غياب العلاج، مشيرة إلى أن معظم النساء في المخيم يعتمدن على وصفات منزلية بسبب انعدام الأدوية.
في بلدة الزوايدة وسط القطاع، يصف سعيد حمدان (56 عامًا) الوضع بـ"غير المحتمل"، مؤكدًا أن الأطفال يعانون من الأرق بسبب اللسعات المتكررة، ومطالبًا بتنفيذ حملات عاجلة لرش المخيمات وتوفير مبيدات آمنة.
ويشير إلى أن النقاط الطبية تفتقر إلى الأدوية اللازمة، وأن النصائح المتكررة بغسل الفراش بماء ساخن تصطدم بواقع شح المياه، ما يجعل من الصعب تطبيقها، بينما لا يحقق تعريض الفرش للشمس نتائج كافية.
في الجزء الأوسع من الصورة، يؤكد الاستشاري الطبي البيطري الدكتور سعود الشوا أن مخيمات النزوح تشهد انتشارًا كبيرًا للحشرات مثل البراغيث والبعوض وبقّ الفراش والذباب، ما يؤدي إلى مشكلات صحية متعددة، أبرزها الحساسية الجلدية ونقل الأمراض.
ويوضح الشوا لـ"فلسطين" أن هذه الظاهرة تتفاقم بسبب الاكتظاظ داخل الخيام، وضعف التهوية، وتراكم النفايات، وانتشار القوارض والكلاب الضالة، إضافة إلى نقص المياه ومواد النظافة، وغياب برامج مكافحة الآفات.
ويحذر من أن استمرار هذه الظروف دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى تفشي أمراض معدية، مؤكدًا ضرورة تنفيذ استجابة شاملة تشمل حملات مكافحة منظمة، وتوفير مواد النظافة، وتحسين ظروف الإيواء.
كما يشير إلى إمكانية استخدام وسائل بسيطة للتخفيف من الحشرات، مثل الناموسيات والزيوت الطبيعية الطاردة كزيت اللافندر والأوكالبتوس والنعناع وشجرة الشاي، إلى جانب تعزيز النظافة العامة والتخلص من النفايات.
وبين مشاهد الحكة المستمرة وليالٍ بلا نوم، تتقاطع قصص النازحين في خيام غزة، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معاناة إضافية، تُثقل واقعًا إنسانيًا هشًا ينتظر تدخلًا عاجلًا قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر.