في ظل اشتداد الأزمات الإقليمية واستمرار القيود على المعابر، يتجه الغزيون إلى الزراعة المنزلية واستغلال المساحات المحدودة لتأمين جزء من غذائهم، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي وإنساني يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر.
دفعت التحديات المتصاعدة المرتبطة بشح الموارد الأساسية، من غذاء ومياه وطاقة، مزارعين ومواطنين في قطاع غزة إلى البحث عن حلول بديلة تعزز صمودهم المعيشي، عبر مبادرات فردية وجماعية تقوم على استغلال ما هو متاح من أرض وأدوات بسيطة.
وبرزت خلال الفترة الأخيرة محاولات متزايدة لزراعة محاصيل صيفية باستخدام مساحات زراعية محدودة، أو حتى أوانٍ ومواد بلاستيكية، في مشهد يعكس سعيًا لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية التي باتت غير مستقرة.

المزارع سميح اسعيد يلخص هذا الواقع بقوله: "نزرع ما نستطيع من خضروات بسيطة لنؤمّن جزءًا من غذائنا، بعد أن دمرت الحرب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية".
ويضيف أن التحدي لا يقتصر على ضيق المساحة، بل يشمل نقص البذور والأسمدة والمياه، ما يدفعهم لاستخدام أدوات بدائية للتكيف مع الظروف.
ويواجه اسعيد، كغيره من المزارعين، خسائر فادحة بعد فقدانه مساحات زراعية شرق مخيم المغازي، فيما لا تزال قوات الاحتلال تسيطر على أرضه وتمنع الوصول إليها.

بدوره، يوضح المواطن أبو أيهم عاشور أن الزراعة المنزلية لم تعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة فرضتها الظروف، قائلاً: "زرعنا الخضروات في أوانٍ بلاستيكية فوق الأسطح وفي الساحات الصغيرة، حتى خلال النزوح، لتأمين احتياجات الأسرة في ظل ارتفاع الأسعار وشح السلع".
ويشير عاشور إلى أن هذه التجربة، رغم محدودية إنتاجها، ساهمت في تخفيف الأعباء المعيشية، خاصة في أوقات الأزمات الحادة.
وتعكس هذه المبادرات توجهًا متزايدًا نحو تحقيق اكتفاء ذاتي جزئي، كاستجابة مباشرة للضغوط الاقتصادية وتعطل سلاسل الإمداد، ما يعيد طرح دور الزراعة المحلية كخيار استراتيجي لتعزيز الأمن الغذائي.

من جانبه، دعا الخبير الزراعي نزار الوحيدي إلى استنفار شامل للمزارعين والمواطنين، عبر استغلال كل مساحة متاحة وتحويل المنازل إلى وحدات إنتاجية صغيرة، مؤكدًا أن الزراعة لم تعد ترفًا بل ضرورة ملحة.
وشدد الوحيدي لصحيفة "فلسطين" على أهمية استخدام البذور البلدية القادرة على التكيف مع البيئة المحلية، محذرًا من الاعتماد على البذور المستوردة التي لا تتيح إعادة زراعتها، ما يزيد من التبعية الاقتصادية.
كما انتقد الاعتماد المفرط على الاستيراد في توفير المحاصيل الأساسية، مقابل التوجه نحو زراعة محاصيل كمالية، معتبرًا أن ذلك يجعل المجتمع عرضة للأزمات عند إغلاق المعابر.
ومع اقتراب الموسم الصيفي، حث الوحيدي على الاستعداد لزراعة محاصيل ذات إنتاجية عالية تلبي احتياجات العائلات، مثل البندورة والخيار والباذنجان، إضافة إلى البقوليات التي توفر بدائل بروتينية.

ودعا كذلك إلى تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيميائية، والعودة إلى الأساليب الطبيعية، مثل استخدام المخلفات العضوية والمكافحة الحيوية، لما لها من أثر إيجابي على البيئة والتكلفة.
وفي ما يتعلق بالمياه، أكد على ضرورة اعتماد استراتيجيات ري ذكية، تشمل اختيار محاصيل قليلة الاستهلاك للمياه، وإعادة استخدام المياه المنزلية بعد معالجتها، بما يضمن استدامة الإنتاج الزراعي.
في غزة، لم تعد الزراعة مجرد نشاط اقتصادي، بل تحولت إلى وسيلة بقاء، يعيد من خلالها السكان تشكيل علاقتهم بالأرض، في مواجهة واقع قاسٍ يفرض عليهم إنتاج غذائهم بأبسط الإمكانيات وأكثرها إلحاحًا.

