قائمة الموقع

خطوة نحو الشِّفاء … مسنّ من غزَّة ينتظر رفح ليستعيد المشي

2026-03-25T18:15:00+02:00
يجلس أبو تامر علي متكئًا على “الووكر” يراقب خطواته القليلة كما لو كانت إنجازًا يوميًا شاقًا
فلسطين أون لاين

في خيمةٍ لا تقي حرًّا ولا بردًا، يجلس أبو تامر علي متكئًا على “الووكر”، يراقب خطواته القليلة كما لو كانت إنجازًا يوميًا شاقًا. لا يبحث السبعيني عن معجزة، بل عن فرصة واحدة فقط… أن يمشي دون ألم.

منذ اندلاع الحرب، لم يعد الزمن بالنسبة لأبي تامر يُقاس بالأيام، بل بعدد المرات التي ينجح فيها في الوقوف على قدميه دون أن يخونهما الألم. في زاوية خيمته المهترئة، تبدو ملامحه مثقلة بالتعب، فيما تائهة عيناه بين حاضرٍ قاسٍ وذكريات حياة كانت أكثر رحمة.

قبل الحرب، لم يكن يتخيل أن حادث سير عابر، تعرّض له خلال نزوحه هربًا من القصف، سيحوّل ما تبقى من عمره إلى معاناة يومية. أصيب حينها بكسر في مفصل الحوض، بدا قابلاً للعلاج، لكنه سرعان ما تعقّد في ظل واقع صحي منهك.

يقول لصحيفة “فلسطين” بصوتٍ متعب: “أجروا لي عملية تركيب مفصل صناعي، وقلت الحمد لله يمكن أرجع أمشي مثل الناس… لكن ما صار”. يبتسم ابتسامة باهتة، ويضيف: “بسبب قلة الإمكانيات، صارت عندي مضاعفات، والمفصل ما زبط”.

لم تكن العملية نهاية الألم، بل بدايته. تفاقمت حالته مع الوقت، وأصبح المشي مهمة شاقة تستنزف ما تبقى من قوته. وبعد مراجعات طبية متكررة، تلقى تشخيصًا حاسمًا: يحتاج إلى عملية جديدة لتغيير المفصل، لكن خارج قطاع غزة.

“الدكتور قال لازم أطلع برا غزة… هون ما في إمكانيات”، يقولها وكأنه يروي حلمًا بعيدًا، ثم يضيف: “أنا مش طالب أركض… بس أمشي بدون هالوجع”.

يعتمد أبو تامر اليوم على “الووكر” في تنقله، جهاز بسيط تحوّل إلى وسيلته الوحيدة للحركة، رغم ما يسببه له من ألم. “كل خطوة بوجع… حتى لما بدي أتحرك لمسافة بسيطة، الموضوع صعب جدًا”، يقول وهو يغيّر جلسته بحذر.

ولا تتوقف معاناته عند الإصابة، إذ يعاني أيضًا من أمراض مزمنة، أبرزها السكري وارتفاع ضغط الدم، ما يتطلب متابعة طبية دقيقة لم تعد متوفرة في ظل تدهور النظام الصحي.

في رمضان، بينما تجتمع العائلات حول موائد الإفطار، يجلس أبو تامر أمام مجموعة من الأدوية تفوق في عددها أصناف الطعام. “وقت الفطور، باخذ أكثر من 10 أنواع أدوية… غير المسكنات”، يقول، قبل أن يضيف: “أحيانًا مش عارف شو هذا الدوا… بس لازم آخدهم”.

ومع استمرار الحرب، لم تعد الأدوية متوفرة كما كانت، وإن وُجدت، أصبحت أسعارها تفوق قدرته. “في أدوية انقطعت، وفي أدوية غليت كثير… وأنا شو أعمل؟”، يتساءل بعجز.

لكن مع كل هذا الألم، لا يزال أبو تامر متمسكًا بأملٍ واحد: فتح معبر رفح.

ثلاث مرات نزح خلالها، اضطر للسير باستخدام “الووكر” لمسافات طويلة، في تجربة يصفها بأنها “أصعب من أي شيء”. “المسافة قصيرة للناس… بس إلي كانت كأنها جبل”، يقول، مستعيدًا تلك اللحظات التي كانت تستنزف صحته لأيام.

في كل نزوح، كان يترك خلفه جزءًا من قوته، وربما شيئًا من صبره أيضًا، لكنه لم يتخلّ عن حلمه البسيط: أن يعيش بكرامة.

“أنا كل اللي بتمناه أعيش بكرامة… وأعتمد على حالي حتى بأبسط الأمور”، يقولها بهدوء، دون شكوى صاخبة، وكأنه يختصر سنوات من التعب في جملة واحدة.

هذا الحلم، الذي يبدو بديهيًا، تحوّل إلى أمنية مؤجلة، مرتبطة بفتح معبر رفح، بوصفه بوابة العلاج الوحيدة المتبقية له.

ينظر أبو تامر إلى جهاز “الووكر” بجانبه، كأنه رفيق رحلته الثقيلة، ثم يقول بصوتٍ خافت: “يمكن الله يكتب لي أطلع… وأعمل العملية… وأمشي شوي بدون وجع”.

بين الألم والأمل، يمضي أبو تامر أيامه متكئًا على صبرٍ طويل، وعلى رجاءٍ لا ينطفئ. في غزة، حيث تُختزل الأحلام أحيانًا في خطوة بلا ألم، يصبح فتح معبر رفح أكثر من مجرد عبور… بل بداية حياة جديدة.

 

 

اخبار ذات صلة