في الوقت الذي تُظهر فيه فصائل المقاومة التزامها بمخرجات اتفاق وقف إطلاق النار، تُصرّ (إسرائيل) على مواصلة خرقه في انتهاكٍ فادح، فسّره محللون بأنه يعكس توجّه رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، لاتخاذ هذه الانتهاكات وسيلة للبقاء السياسي، رغم الإخفاقات الكبيرة التي مُني بها خلال الحرب على قطاع غزة.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ووضع حدًا جزئيًا لحرب الإبادة التي بدأها جيش الاحتلال في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. إلا أنه سرعان ما أصبح مثقلًا بالخروقات الإسرائيلية التي تجاوز عددها 2073 خرقًا، وأسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 677 مواطنًا، وإصابة أكثر من 1813 آخرين، وفق معطيات رسمية.
طالع المزيد: محلِّلون: خروقات الاحتلال تعكس رغبة نتنياهو في إفشال اتِّفاق وقف النَّار
وتنوّعت خروقات جيش الاحتلال منذ سريان الاتفاق، لتشمل الغارات الجوية، وعمليات النسف خلف ما يُسمى "الخط الأصفر"، الذي يتيح لقوات الاحتلال السيطرة بالنيران على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، فضلًا عن التحكم بالمعابر وتقييد إدخال المساعدات الإنسانية.
كما شهد القطاع عمليات اختطاف واغتيال نُسبت إلى عناصر من مليشيات متعاونة مع الاحتلال، يُعتقد أنها تعمل بتوجيهات مباشرة من أجهزة مخابراته.
ويرى المحلل السياسي عادل ياسين أن هذه الخروقات “تؤكد استمرار هيمنة العقلية العدوانية على حكومة اليمين المتطرف في (إسرائيل)، التي تعتبر خرق وقف إطلاق النار والقتل والتدمير نهجًا يخدم تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية”.
وعلى الصعيد السياسي، أوضح ياسين، لصحيفة “فلسطين”، أن حكومة الاحتلال تسعى إلى كسب تأييد جمهور اليمين المتطرف، عبر الإيحاء بأن الحرب على غزة لم تنتهِ، بما يعكس تمسكها بمخططات تهجير السكان وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في القطاع.

المحلل السياسي عادل ياسين
أما عسكريًا، فأشار إلى أن استمرار الخروقات يهدف إلى تفكيك معادلة الردع في غزة، ومحاولة تحقيق أهداف لم ينجح الاحتلال في إنجازها خلال الحرب، وفي مقدمتها القضاء على فصائل المقاومة ونزع سلاحها.
وأضاف: “حكومة اليمين وضعت أهدافًا خيالية وغير واقعية، رغم التحذيرات السياسية والعسكرية من استحالة تحقيق انتصار مطلق في غزة”.
طالع المزيد: إدارة الحرب.. كيف توظف "إسرائيل" التهدئة لفرض وقائع جديدة بغزة؟
وفي ضوء ذلك، يجد نتنياهو نفسه أمام مأزق داخلي، في ظل تصاعد الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة للكنيست، ما يدفعه—بحسب ياسين—إلى مواصلة التصعيد وخرق وقف إطلاق النار لتعزيز فرص بقائه في السلطة.
ولفت ياسين إلى أن الصمت العربي والدولي، إلى جانب الدعم أو غضّ الطرف الأمريكي، يمنح الاحتلال هامشًا واسعًا للاستمرار في انتهاكاته، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته لوقف العدوان.
وحذّر من أن الخطر الإسرائيلي لا يقتصر على غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وكذلك إلى لبنان، حيث تجاوز التصعيد حدوده إلى مراحل متقدمة.
وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي د. عادل سمارة إن الاحتلال يستغل انشغال العالم، لا سيما الساحة العربية والإسلامية بالحرب على إيران، لتكثيف انتهاكاته في غزة.
وأوضح سمارة أن الاحتلال يعتمد أسلوبًا تكتيكيًا قائمًا على خرق وقف إطلاق النار وارتكاب انتهاكات لا تستدعي ردود فعل دولية غاضبة كما حدث خلال ذروة الحرب.

المحلل السياسي د. عادل سمارة
وأشار إلى أن استهداف شخصيات قيادية وعناصر في فصائل المقاومة، إلى جانب قصف عناصر الشرطة أثناء أداء مهامهم، يعكس سعي الاحتلال لمنع إعادة بناء الحاضنة المجتمعية والتنظيمية في غزة.
وختم بالقول إن “مجمل هذه الممارسات يؤكد أن الاحتلال لا يزال متمسكًا بأهداف الحرب، وفي مقدمتها تهجير سكان قطاع غزة، وإعادة تشكيل الواقع فيه بما يخدم مصالحه”.

