باتت الصواريخ العنقودية أو الانشطارية التي تطلقها إيران تجاه دولة الاحتلال تشكّل هاجسًا متصاعدًا لمنظومات الاعتراض وللمجتمع الإسرائيلي برمّته، إذ يتضاعف الخطر بمجرد وصول الصاروخ إلى أجواء فلسطين المحتلة؛ فلا ينتهي التهديد عند اعتراضه، بل يبدأ مع تشظّيه في السماء، ما يحوّل مساحات واسعة إلى مناطق خطر.
وخلال دفعات القصف الإيرانية الأخيرة، برز نمط هجومي غير تقليدي؛ إذ أفادت وسائل إعلام عبرية بأن صاروخًا عنقوديًا انشطر إلى أربع قنابل، تزن الواحدة منها نحو 100 كيلوغرام، ما أدى إلى تناثر الشظايا في عدة مواقع وإحداث دمار واسع.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، فإن الرؤوس الحربية العنقودية الإيرانية تحتوي على نحو 24 قنبلة صغيرة، يضم كل منها ما بين 2 إلى 5 كيلوغرامات من المتفجرات، وتنفجر على ارتفاع يتراوح بين 7 و10 كيلومترات فوق سطح الأرض، ما يجعل تأثيرها يمتد إلى عشرات المواقع المنفصلة.
وتُظهر معطيات نشرتها وسائل إعلام عبرية أن نحو نصف الصواريخ التي أطلقتها إيران منذ الهجوم المشترك الذي شنّته (إسرائيل) والولايات المتحدة عليها في 28 فبراير/شباط الماضي كانت مزوّدة برؤوس حربية عنقودية. وتشير التقديرات إلى أن إيران أطلقت حتى الآن نحو 800 صاروخ باليستي، من مخزون يُقدّر بين 2000 و3000 صاروخ، وهو الأكبر في الشرق الأوسط.
وتنفجر الذخائر العنقودية في الجو، ناشرة مئات القنابل الصغيرة على مساحة واسعة، وغالبًا ما يفشل جزء منها في الانفجار، ما يحوّلها إلى حقول ألغام افتراضية قد تقتل أو تصيب أي شخص يعثر عليها لاحقًا، لتتحول، وفق وصف الإعلام الإسرائيلي، إلى “فخاخ متفجرة خطيرة”.
وتكمن خطورة هذه الصواريخ في قدرتها على استهداف مساحات واسعة؛ إذ قد تُصيب الضربة الواحدة عدة مبانٍ أو شوارع كاملة. وحتى في حال نجاح عملية الاعتراض، فإن تفكك الصاروخ أو انفجار رأسه الحربي في الجو يؤدي إلى انتشار القنابل الصغيرة وسقوطها على الأرض، بينما يتحول جزء منها إلى ألغام عشوائية، حذّرت منها الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
استنزاف كبير
يرى المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج أن المفاجأة لا تكمن في فكرة الصواريخ العنقودية بحد ذاتها، بل في طريقة استخدامها، موضحًا أن المنظومات الدفاعية الإسرائيلية صُمّمت للتعامل مع أهداف محددة، لكن تحوّل الهدف إلى عشرات الأهداف في الجو يُغرق هذه المنظومات ويستنزفها، ويزيد احتمالات إصابة الأهداف.
وقال الحاج لصحيفة “فلسطين”: “في حالة الصواريخ العنقودية، يصبح الاعتراض بحد ذاته خطرًا، كما أن عدم الاعتراض خطر أيضًا. وهذا يختلف عن الصواريخ التقليدية التي تنتهي خطورتها غالبًا عند نجاح الاعتراض. أما هنا، فتنتشر أجزاء الصاروخ على مساحة واسعة، ويصبح التنبؤ بمواقع سقوطها شبه مستحيل، ما يعمّق التأثير النفسي أكثر من الضرر المادي، نتيجة انعدام اليقين والشعور بالأمن”.
وأضاف أن تكثيف إطلاق هذه الصواريخ يتزامن مع استمرار القصف، ما يفنّد الرواية الإسرائيلية والأمريكية حول تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية، معتبرًا أن تلك التصريحات كانت جزءًا من حرب إعلامية، أسهمت في تراجع ثقة الجمهور بالرواية الرسمية.
وأوضح أن “الوضع يزداد سوءًا مع العجز عن وقف الصواريخ فعليًا، لا قولًا، ما يؤدي إلى تآكل الشعور بالأمن، وهو أخطر من الصواريخ ذاتها، لأنه يمسّ أساس المشروع الصهيوني القائم على الأمن والرفاه، كما أن التكرار هنا أهم من شدة الضربات”.
وأشار الحاج إلى أن إطلاق إيران أكثر من سبع دفعات صاروخية خلال فترة قصيرة لا تتجاوز يومًا ونصف، إلى جانب قرابة 80 موجة قصف، فضلًا عن مئات الصواريخ من لبنان، يعكس استمرارية كفيلة باستنزاف المستوطنين نفسيًا، إلى جانب الأضرار المادية.
حالة طوارئ مستمرة
ويؤدي استمرار إطلاق الصواريخ إلى فرض حالة غير طبيعية على الحياة في دولة الاحتلال؛ إذ يؤكد الحاج أن الواقع بات أكثر كلفة وتوترًا وعدم استقرار، بخلاف جولات سابقة كانت محدودة جغرافيًا وزمنيًا، وكان جزء كبير من المستوطنين خلالها يعيشون حياة شبه طبيعية.
وأضاف أن “المشهد هذه المرة مختلف كليًا من حيث الزمان والمكان، إذ انتقلت المعركة من الجبهة العسكرية إلى بنية المجتمع ومكوناته، وطالت مختلف جوانب الحياة اليومية، ما يضيف بُعدًا جديدًا للصراع إلى جانب الأهداف العسكرية، وقد يُسهم ذلك في تقصير أمد المعركة”.
من جانبه، يؤكد المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن منظومات الاعتراض الإسرائيلية لا تعمل بكفاءة كاملة أمام الصواريخ الإيرانية، ما يؤثر على صورة (إسرائيل) التي طالما روّجت لامتلاكها أنظمة دفاعية محكمة. وأوضح أن الصواريخ العنقودية تسهم في تشتيت هذه المنظومات، مشيرًا إلى أن الوقائع تظهر عجزها عن اعتراض الصواريخ الحاملة للرؤوس الانشطارية.
ويرى مناع أن السلوك الإيراني فاجأ دولة الاحتلال، معتبرًا أن النظرية التي بُنيت عليها الحرب كانت خاطئة، إذ توقعت (إسرائيل) انهيار النظام الإيراني سريعًا، إلا أن طهران واصلت القصف بشكل تدريجي ومنهجي، مستخدمة صواريخ متطورة، ولم يكن متوقعًا استمرارها بهذه الوتيرة مع اقتراب الحرب من شهرها الأول.
وعن تباين كثافة الرشقات الصاروخية، أوضح أن ذلك يندرج ضمن ما وصفه بـ“اقتصاد بالنار”، حيث تعتمد إيران على فواصل زمنية بين الضربات، ما يربك الاحتلال ويُبقيه في حالة استنفار دائم، ويؤدي إلى تمديد حالة الطوارئ، واستمرار التعليم عن بُعد، وتعطّل قطاعات اقتصادية، الأمر الذي يرفع كلفة الحرب على مختلف المستويات.