في زاويةٍ صغيرة داخل خيمة نزوح، لم تعد قطع الكرتون مجرد بقايا طرود غذائية مرتبطة بذكريات الانتظار والجوع، بل تحوّلت بين يدي ريهان شراب (32 عامًا) إلى مصدرٍ للبهجة والفرح، ووسيلة دخل لإعالة أبنائها، تُعلّق كزينةٍ للعيد. هكذا أعادت تشكيل ما خلّفته المعاناة، لتمنح الأشياء روحًا جديدة، وتمنح نفسها بداية جديدة لإحياء مشروعها في المشغولات اليدوية، الذي دُمّر مع بداية الحرب، مستلهمة انطلاقتها من طقوس رمضان والعيد.
ومع اندلاع الحرب، خسرت شراب، وهي من خان يونس، مشروعها الذي كان نابضًا بالإبداع؛ إذ اعتادت تحويل الخيوط والأدوات البسيطة إلى فساتين للأطفال باستخدام الصوف فيما يُعرف بفن “الكروشيه”، إلى جانب نقش العبارات على أكواب القهوة وتقديمها في المناسبات، وصناعة الشموع التي حملت اسمها إلى قلوب الزبائن.
ولم تفقد شراب مصدر رزقها فحسب، بل خسرت أيضًا المنزل الذي كان يحتضن مشغولاتها. وعندما حاولت إنقاذ ما تبقى من أعمالها ونقلها إلى منزل عائلتها، تعرّض الأخير للدمار، ليقضي الاحتلال على آخر ما تبقى من مشروعها وحلمها الذي عملت عليه لسنوات طويلة.
ورغم ذلك، لم تستسلم شراب للواقع الذي فرضته الحرب. فداخل خيمة النزوح، رفضت البقاء أسيرة للظروف دون مصدر دخل، وقررت تحويل طقوس رمضان والعيد إلى مصدرٍ للبهجة والدخل معًا.
في ركن صغير من خيمتها، التي تحوّلت إلى مساحة للمعيشة والعمل في آنٍ واحد، بدأت بصناعة فوانيس رمضان عبر إعادة تدوير كراتين المساعدات. استخدمتها كأساس لتشكيل الفوانيس، قبل تزيينها بالقماش الرمضاني والحبال المتدلية وملصقات جذبت الزبائن، لتكتسي تلك الكراتين “حلّة جميلة”.
وتقول شراب لـ “فلسطين أون لاين”: “تُذكّرنا كراتين المساعدات بالألم والحزن، وبالمجاعة، وبالشبان الذين استشهدوا أثناء محاولتهم جلب هذه المساعدات من مصائد الموت. لذلك أحببت أن أحوّلها إلى مصدر بهجة وزينة في الوقت ذاته. ورغم بساطة الإمكانيات، كانت النتيجة رائعة”.
وقبل أن تبدأ بصناعة الفوانيس، واجهت تحديات كبيرة، أبرزها نقص المواد الخام. فالقماش اللازم لتغليف الكراتين لم يكن متوفرًا في الأسواق، ما اضطرها للبحث طويلًا حتى عثرت على كمية لدى أحد التجار، كانت مخزنة منذ ما قبل الحرب. كما لجأت إلى بدائل بسيطة لبعض المستلزمات غير المتوفرة، مثل استخدام “الريش” في التزيين.
ورغم ضيق المساحة، تمكنت شراب من إنتاج عدد من الفوانيس التي أضفت أجواء من البهجة في أرجاء المخيم، حيث تدلّت الفوانيس المغطاة بالقماش الأحمر داخل الخيام، في مشهدٍ مفعم بالحياة. وتضيف: “تكلفتها بسيطة وتراعي ظروف الناس”.
اقرأ أيضًا: العيد في غزة.. طفولة عالقة بين الخيام والركام
وتتابع: “العمل داخل الخيمة صعب مقارنة بالبيت؛ فهي بالكاد تتسع للفراش، فكيف بمشروع عمل؟ كانت هذه من أبرز التحديات التي واجهتني في هذه البداية”.
وتستعيد شراب ذكرياتها قبل الحرب، حين كانت تخصص غرفة كاملة في منزلها لمشغولاتها اليدوية، وتقول بحسرة: “كنا نعيش في بيت مستقر، وكانت الغرفة مليئة بالمواد الخام وكل ما يلزم لصناعة أجمل المشغولات. لكنني استطعت التكيّف مع الظروف الصعبة، وتوفير مصدر دخل لتلبية احتياجات أطفالي”.
وشكّلت صناعة الفوانيس نقطة انطلاق جديدة لشراب، أعادت من خلالها إحياء مهاراتها وطاقتها التي استنزفتها الحرب. وتوضح: “قبل الحرب كان لدي اسم في السوق، وكانت مشغولاتي تلقى إقبالًا واسعًا، لكن مع الإبادة عدت إلى الصفر”.
ورغم ذلك، تواصل اليوم محاولاتها للنهوض مجددًا، عبر صناعة الدمى من الصوف، التي تُعد ألعابًا محببة للأطفال، في حين لم تتمكن من استعادة أدوات صناعة الشموع المدفونة تحت الركام، وهي من المواد التي يُحظر إدخالها إلى قطاع غزة.