فلسطين أون لاين

تقرير مياه الأمطار تكشف حجم دمار البنى التحتية في غزة

...
غرق خيام النازحين بين الأمطار ومياه الصرف الصحي بغزة
غزة/ عبد الله التركماني

يكشف هطول الأمطار خلال فصل الشتاء الحالي حجم الدمار العميق الذي لحق بالبنى التحتية في قطاع غزة، بعد حرب استمرت نحو عامين، وخلفت دمارًا هائلًا طال الطرق وشبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء والمنازل. ومع كل منخفض جوي، تتحول الشوارع إلى برك من المياه والطين، وتغرق الخيام ومراكز الإيواء، بينما تتسرب مياه الأمطار إلى المنازل المتضررة والأسقف المؤقتة، في مشهد يعكس أن آثار الحرب لم تنتهِ عند توقف القصف، بل ما زالت تلاحق حياة السكان في تفاصيل يومهم، حتى في فصل الشتاء.

وفي الأحياء المدمرة، تختلط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي نتيجة تدمير الشبكات، فتنتشر الروائح الكريهة وتزداد المخاطر الصحية، خاصة على الأطفال، الذين يعيش كثير منهم في خيام أو منازل غير صالحة للسكن. ومع غياب عمليات إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية، أصبح الشتاء بالنسبة لآلاف العائلات في غزة موسمًا جديدًا من المعاناة، حيث يتحول المطر من نعمة ينتظرها الناس كل عام إلى مصدر خوف وقلق، وتسرب للمياه، وانهيار للخيام والجدران المتصدعة.

وفي كل مرة تهطل فيها الأمطار، يتذكر سكان غزة أن الحرب لم تدمر منازلهم فقط، بل دمرت أيضًا الشوارع وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، تاركة قطاعًا كاملًا يعيش على بنية تحتية منهكة، غير قادرة على تحمل أبسط الظروف الجوية، ما يجعل كل شتاء اختبارًا قاسيًا لقدرة الناس على البقاء.

في حي المشتل غرب مدينة غزة، تتجمع سيول الصرف الصحي مع كل هطول للأمطار، نتيجة انسداد مجاري الصرف، لتتحول إلى مستنقع آخذ في الاتساع، سببه منهل طافح تُرك دون معالجة. ولم يعد المشهد عابرًا، بل خطرًا دائمًا يقتحم تفاصيل الحياة اليومية.

وفي الشارع ذاته، يتعرض المارة، ولا سيما المسنون والأطفال، لحوادث غرق متكررة في تجمعات المياه الآسنة، فيما يهرع السكان لإنقاذهم وسط حالة خوف وقلق دائمين.

وفي الجمعة الماضية، لم يتمكن الأهالي من أداء صلاة الجمعة، بعدما اجتاحت مياه الصرف الصحي أماكن الصلاة داخل المسجد، وفرضت رائحتها الثقيلة نفسها على المصلين.

معاناة متفاقمة

يقف داود كلوب، رب أسرة من سكان حي المشتل، عاجزًا أمام الطريق المؤدي إلى منزله، بعدما تحول إلى مستنقع واسع من مياه الصرف الصحي، أغلق المدخل الوحيد للحي، وقطع عليه الوصول إلى بيته بشكل طبيعي.

يقول كلوب لـ "فلسطين أون لاين": "أحيانًا أضطر إلى الدوران لمسافات طويلة، وأحيانًا أعود أدراجي، لأن الطريق مغلق بالكامل بمياه المجاري. بيتي هناك، لكن الوصول إليه صار مخاطرة".

اقرأ أيضًا: الصرف الصحي… عدوّ جديد يطارد النازحين في شتاء غزة

ولا تتوقف معاناة كلوب عند حدود الوصول إلى منزله، بل تتعداها إلى خطر يومي يهدد حياة الأطفال. ويروي حادثة وقعت "بالأمس (الأحد)، سقط طفل في المستنقع أمام أعيننا. غاص في مياه الصرف، ولو تأخرنا ثواني إضافية لكان قد مات. انتشلناه بأيدينا".

ويضيف أن هذه الحوادث لم تعد استثناء، بل واقعًا يتكرر بشكل شبه يومي: "هذا ليس حادثًا واحدًا. الأطفال ينزلقون، وكبار السن يسقطون، والناس تركض للإنقاذ في كل مرة. إلى متى؟ هل ننتظر وفاة طفل حتى يتحرك أحد؟".

ويختم كلوب حديثه بنبرة غضب ممزوجة بالخوف: "نحن لا نطلب شيئًا مستحيلًا. نريد طريقًا آمنًا، ومنازل لا تغرق بالمجاري، وأطفالًا يعودون سالمين. هذا حقنا، وليس منّة من أحد".

واقع مأساوي

وفي السياق ذاته، يقول المواطن محمود غبن (45 عامًا) لـ "فلسطين أون لاين" إن حياته اليومية تغيرت تمامًا بعد طفح مياه الصرف الصحي في الشارع الذي يعيش فيه بحي النصر غرب مدينة غزة، حيث تحولت الطريق أمام منزله إلى بركة كبيرة من المياه العادمة، تمنع العائلة من الخروج أو الدخول بسهولة، وتنشر روائح كريهة في أرجاء المكان، مع انتشار الحشرات والقوارض.

ويضيف غبن: "نستيقظ كل صباح على رائحة مياه الصرف الصحي. لا يستطيع أطفالي الخروج للعب، وحتى الذهاب إلى المدرسة أو السوق أصبح مغامرة، لأننا نضطر للسير بين المياه الملوثة أو القفز بين الحجارة".

ويوضح أن المياه الملوثة دخلت مرة إلى مدخل البناية التي يسكن فيها، ما اضطر السكان إلى العمل لساعات طويلة لإخراج المياه وتنظيف المكان.

وتعاني زوجته أيضًا بشكل يومي، إذ تخشى على أطفالها من الأمراض، خاصة أن أصغرهم يلعب أحيانًا بالقرب من المياه الملوثة، وتقول: "نعيش طوال الوقت قلقين، نخاف من الأمراض والحشرات، ولا نستطيع فتح النوافذ بسبب الرائحة".

اقرأ أيضًا: بين الركام والصرف الصحي.. كارثة بيئية تطارد سكان "اليرموك" شمال غزة

ويتابع: "الحرب دمرت الشوارع وشبكات الصرف الصحي، والآن نحن ندفع الثمن كل يوم. نحن لا نعيش فقط آثار الحرب، بل نعيش داخلها حتى بعد توقف القصف، في الشوارع والمياه والبيوت وكل شيء حولنا".

ظروف شديدة التعقيد

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم بلدية غزة، حسني مهنا، لـ"فلسطين أون لاين"، إن البلدية تعمل في ظروف شديدة التعقيد، في ظل دمار واسع طال البنية التحتية للمدينة، ما يحد بشكل كبير من قدرتها على التعامل مع أزمات الخدمات، وعلى رأسها قطاع الصرف الصحي.

الناطق باسم بلدية غزة حسني مهنا.webp

الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا

وأوضح مهنا أن نحو 85% من البنية التحتية في مدينة غزة تعرضت للتدمير، مشيرًا إلى أن قطاع الصرف الصحي يُعد من أكثر القطاعات تضررًا، حيث دُمر ما يقارب 220 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي خلال الحرب.

وأضاف أن ثماني مضخات ومحطات صرف صحي تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة، ولم تتمكن البلدية حتى الآن من تشغيل سوى محطتين فقط بعد إجراء أعمال صيانة محدودة، ما يشكّل تحديًا كبيرًا أمام عمليات تصريف المياه، ويعيق قدرة البلدية على الاستجابة للأزمات المتفاقمة.

وأشار إلى أن الدمار طال بشكل شبه كامل البنية التحتية في العديد من المناطق المنكوبة، لا سيما في المناطق الغربية من المدينة، مثل الشيخ عجلين والمشتل والشاطئ، إضافة إلى مناطق واسعة في شرق وجنوب مدينة غزة.

ولفت مهنا إلى أن البلدية تعاني نقصًا حادًا في الأدوات ومواد البناء، في وقت دمّر فيه الاحتلال 135 آلية ومركبة تابعة للبلدية. وأضاف أن ما تبقى من الآليات يقتصر في معظمه على مركبات صغيرة مخصصة للأعمال الإدارية، فيما تعاني الآليات القليلة المتبقية من تقادم وتهالك شديدين، وتتوقف عن العمل في كثير من الأحيان بسبب عدم توفر قطع الغيار وأعمال الصيانة.

وأكد مهنا أن جميع الحلول التي تقدمها البلدية في الوقت الراهن تقتصر على تدخلات إسعافية ومؤقتة، مشددًا على أن الحل الجذري لأزمة الصرف الصحي في غزة يتطلب فتح المعابر، والسماح بإدخال المواد والمعدات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة.

المصدر / فلسطين أون لاين