في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي يمر بها قطاع غزة نتيجة سنوات طويلة من الأزمات والحروب وتعطل عجلة الإنتاج، برزت الحاجة إلى مراجعة الأدوات الاقتصادية المستخدمة في تقديم المساعدات الإنسانية، بما يضمن تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي أكثر استدامة.
ومن هذا المنطلق، يوصي العديد من الاقتصاديين بضرورة توجه المؤسسات المحلية والدولية العاملة في قطاع غزة، بشكل تدريجي ومدروس، نحو تحويل جزء أكبر من برامج المساعدات العينية إلى برامج مساعدات نقدية ما يُعرف بالقسائم الشرائية مباشرة للأسر، لما لذلك من آثار إيجابية على الاقتصاد المحلي وعلى كفاءة استخدام الموارد.
محدودية المساعدات العينية
تقوم المساعدات العينية عادة على توزيع سلال غذائية أو مواد محددة على الأسر المحتاجة. وعلى الرغم من أهميتها في حالات الطوارئ، إلا أن الاعتماد عليها بشكل واسع ولفترات طويلة قد يخلق عدة تحديات اقتصادية، من أبرزها:
• عدم توافق المساعدات مع الاحتياجات الفعلية للأسر، إذ قد تحصل الأسرة على مواد لا تحتاجها في الوقت الحالي.
• تقييد حرية المستفيد في اختيار أولوياته الاستهلاكية.
• إضعاف دور الأسواق المحلية عندما يتم استيراد جزء من هذه المساعدات من خارج الاقتصاد المحلي.
وبالتالي، قد تؤدي هذه الآلية، على المدى الطويل، إلى تقليص حركة الطلب في الأسواق المحلية، وهو ما يفاقم حالة الانكماش الاقتصادي التي يعاني منها القطاع.
المساعدات النقدية – القسائم الشرائية كأداة اقتصادية فعالة
في المقابل، تمثل المساعدات النقدية – القسائم الشرائية المباشرة للأسر أداة اقتصادية أكثر مرونة وكفاءة في العديد من السياقات الإنسانية. فعندما تتلقى الأسرة مبلغًا ماليًا – قسيمة شراء، يصبح رب الأسرة قادرًا على تحديد أولوياته الاستهلاكية وفق احتياجاته الفعلية، سواء كانت غذاءً، أو دواءً، أو ملابس أو خدمات أساسية.
هذا التحول لا يعزز فقط كرامة المستفيد واستقلاليته في اتخاذ القرار، بل يساهم أيضًا في تحقيق عدة فوائد اقتصادية، منها:
1. تحريك الطلب الداخلي
عندما تنفق الأسر المساعدات النقدية في الأسواق المحلية، فإن ذلك يؤدي إلى تنشيط حركة البيع والشراء.
2. دعم صمود القطاع الخاص المحلي
تستفيد المحال التجارية والموردون المحليون من زيادة الطلب على السلع والخدمات، مما يساعدهم على الاستمرار في العمل رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
3. الحد من الانكماش الاقتصادي
ضخ السيولة المالية في المجتمع يساهم في الحفاظ على مستوى معين من النشاط الاقتصادي.
4. رفع كفاءة استخدام المساعدات
لأن الأموال تُصرف مباشرة على الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للأسر.
تعزيز كرامة المستفيد والاستقلال الاقتصادي
إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، تمنح المساعدات النقدية – القسائم الشرائية الأسر درجة أعلى من الاستقلالية والكرامة الإنسانية. فبدلاً من تلقي مواد محددة قد لا تتوافق مع احتياجات الأسرة، يصبح بإمكانها اتخاذ قراراتها الاقتصادية بنفسها، بما يتناسب مع ظروفها الصحية والمعيشية.
كما أن هذه الآلية تقلل من ظاهرة إعادة بيع بعض المواد العينية في الأسواق التي قد تحدث عندما تتلقى الأسر مواد لا تحتاجها.
نحو مزيج متوازن من أدوات الدعم
لا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن المساعدات العينية، خاصة في حالات الطوارئ أو في القطاعات التي تتطلب تدخلًا مباشرًا مثل الإغاثة العاجلة. لكن من المهم العمل على إيجاد توازن مدروس بين المساعدات العينية والنقدية، بحيث يتم توسيع نطاق الدعم النقدي تدريجيًا كلما سمحت الظروف بذلك.
كما يتطلب نجاح هذا التحول وجود:
• آليات رقابة وشفافية واضحة
• قواعد بيانات دقيقة للأسر المستفيدة
• تنسيق فعال بين المؤسسات الإنسانية والاقتصادية
الخلاصة
إن التحول الجزئي والمنظم نحو برامج المساعدات النقدية – القسائم الشرائية يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو دعم الاقتصاد المحلي في قطاع غزة، وتحريك الطلب الداخلي، وتعزيز صمود القطاع الخاص، مع منح الأسر قدرة أكبر على تلبية احتياجاتها الفعلية.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، يصبح تبني أدوات دعم أكثر كفاءة ومرونة ضرورة ملحة ليس فقط لتخفيف الأعباء الإنسانية، بل أيضًا للحفاظ على الحد الأدنى من الحيوية الاقتصادية داخل المجتمع.

