﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ – الإسراء: 36
في محرقة غزة، حيث تتصاعد الفتن وتتكاثر الإشاعات كالنار في الهشيم، تقف عزائمنا ثابتة كالصخر في وجه العاصفة. هناك، في قلب الألم، يتحول الوعي إلى جبهةٍ من جبهات الصمود، ويصبح التثبت عبادةً، والكلمة أمانةً، والسكوت أحيانًا فعل مقاومة. فالإعلام المضلل وجوقة الهزيمة يلهثان لنشر البلبلة وإرباك الصفوف، لكن غزة التي تعلّمت من نار المحن كيف تصوغ وعيها لا تُسلّم عقولها لسراب الشائعات؛ بل ترفع راية اليقين وتتشبث بوصية القرآن: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وتستمسك بسلاح التبين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
فالإشاعة في زمن الفتن ليست مجرد خبرٍ عابر، بل سلاحٌ نفسيٌّ تُنفق عليه منظومات الاحتلال وأجهزته المليارات، وتُسخّر له فرقًا تعمل ليل نهار لزرع الاضطراب في القلوب وتفكيك الثقة بين الناس. ويعينهم على ذلك جوقة من العملاء ودعاة التخذيل، ومن انهزموا في داخلهم قبل أن يهزموا في الميدان، بل وحتى أولئك الذين يتداولون الأخبار بلا تثبتٍ ولا وعي، فيتحولون – دون قصد – إلى أدوات في معركة الحرب النفسية. لذلك جاء التحذير القرآني قاطعًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، لأن الكلمة حين تُطلق بغير علم قد تصيب قومًا بجهالة، وتترك وراءها ندمًا لا يمحوه الزمن.
وفي مواجهة محرقة غزة، ولا سيما في شمالها الجريح، تتكاثر الأقاويل عن التهجير والمجازر والخطط الغامضة، ويزداد الغموض مع نقص المعلومات وتضارب الروايات؛ فتتحول الشائعة إلى وقودٍ للفتنة إن لم تُحاصر بالوعي والصبر. ومن قلب هذه المحنة تتجدد الدعوة إلى الحذر والتريث، وإلى صون الكلمة من أن تكون معول هدم في جدار الصمود، فليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل ما يُسمع يُنشر. وقد قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع». إن معركة الوعي اليوم لا تقل خطورة عن معركة الميدان، والكتمان حين يحمي الصفوف ويُربك العدو يصبح جزءًا من التكتيك المشروع في مواجهة حرب الإبادة.
وفي الأفق الأوسع، تتداخل هذه معركة الإشاعة مع صراع إقليمي يتصاعد بالعدوان على إيران، حيث تتحرك الأساطيل والضربات والرسائل المتبادلة في مشهدٍ يخلط السياسة بالنار، ويجعل المنطقة كلها على حافة تحولات كبرى. وفي خضم هذا الاشتباك الدولي، تحاول القوى الكبرى إعادة رسم خرائط النفوذ، بينما تبقى فلسطين – وغزة تحديدًا – في قلب العاصفة، تتأثر بارتدادات الصراع وتوازناته. ومع ذلك، فإن دروس التاريخ تقول إن الحروب الكبرى كثيرًا ما تعيد ترتيب الموازين، وإن الشعوب التي تصمد في اللحظات العصيبة تكون أول من يجني ثمار التحولات حين ينقشع غبار المعارك.
وهكذا تبقى غزة، وسط النار والحصار والحروب المتشابكة، مدرسةً في الوعي قبل الصمود، وفي الثبات قبل النصر. فمن حفظ لسانه، وثبّت قلبه، وتمسّك بحبل الله، أدرك أن المعركة ليست فقط في السلاح والدم، بل في الكلمة التي تُقال أو تُكتم، وفي الوعي الذي يحرس الأمة من أن تُهزم من داخلها. ولأن الحق لا يُقهر مهما اشتدت المحن، فإن الليل – مهما طال – لا بد أن ينكسر، ويطلع فجرٌ جديد على أرضٍ كتبت بدمائها أن إرادة الشعوب لا تُهزم.

