قائمة الموقع

بين العيد والسجن: شهادات تختصر معاناة الأسرى

2026-03-24T20:36:00+02:00
صورة من الأرشيف
فلسطين أون لاين

بين لحظة الحرية وذاكرة الزنازين، تتكشف حكايات أسرى محررين يحملون في تفاصيلهم مزيجًا من الفرح والألم، فرح العودة إلى العائلة، وألم سنواتٍ قضوها خلف القضبان حيث كانت الأعياد تمر بصمتٍ ثقيل، بلا مظاهر ولا احتفال.

في الأيام التي تسبق عيد الفطر، ينشغل الأسير المحرر محمد شويدح بالتجول في الأسواق، يختار ملابس جديدة لأطفاله، ويخطط لزيارات عائلية طال انتظارها، في محاولة لاستعادة ملامح حياة سُلبت منه قسرًا.

يبدو المشهد بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل دلالات عميقة؛ فالرجل الذي يقف اليوم بين متاجر الملابس، كان قبل أشهر فقط يعيش خلف القضبان، حيث كانت أبسط مظاهر الفرح تُقابل بالقمع والمنع.

شويدح، الذي اعتُقل خلال اقتحام مجمع الشفاء الطبي في 18 مارس 2024، حُرم من الاحتفال بالعيد العام الماضي، قبل أن يُفرج عنه في 13 أكتوبر 2025 ضمن صفقة تبادل أسرى بوساطة دولية، ليبدأ رحلة جديدة لإعادة بناء ما تبقى من حياته، بعد فقدان منزله ونزوح أسرته.

خلال الأيام الماضية، حرص شويدح على إدخال الفرح إلى أسرته المكونة من سبعة أفراد، فاشترى لهم ملابس العيد، في محاولة لتعويض غياب طال أثره في تفاصيل حياتهم اليومية.

ويقول إن هذا العيد يحمل له معنى مختلفًا، إذ يتمكن أخيرًا من زيارة أقاربه وتبادل التهاني، وهي أمور كانت غائبة تمامًا خلال فترة اعتقاله.

لكن خلف هذه اللحظة الهادئة، تمتد حكاية أخرى أكثر قسوة...

داخل السجون الإسرائيلية، كما يروي شويدح، لصحيفة "فلسطين" يعيش آلاف الأسرى أعيادهم في عزلة تامة، محرومين من أبسط مظاهر الاحتفال، حيث تغيب مظاهر الفرح وتغلب مشاعر الحزن والانتظار.

يصف شويدح ما كان يعيشه الأسرى بأنه أقرب إلى "حياة البرزخ"، حيث تمر الأعياد دون أن يعلموا بقدومها، في ظل حرمانهم من المعلومات الأساسية وانقطاعهم عن العالم الخارجي.


ويشير إلى أن إدارة السجون تتعمد منع أي مظاهر احتفالية، سواء صلاة العيد أو تبادل التهاني، إلى جانب فرض قيود مشددة على الحركة بين الأقسام، مع تعرض أي محاولة بسيطة للتعبير عن الفرح للعقاب والاعتداء.

ويروي تجربته خلال أول عيد قضاه في معتقل "سدي تيمان"، واصفًا إياه بالفترة الأشد قسوة، حيث تعرض الأسرى لاعتداءات متكررة، فيما كانت الحياة اليومية مليئة بالتوتر والمعاناة.

أما في عيده الثاني داخل سجن "عوفر"، فقد شهد قمعًا مباشرًا عقب محاولة أحد الأسرى التكبير، ما أدى إلى الاعتداء عليه، في مشهد يعكس حجم التضييق المفروض داخل السجون.

ويضيف أن معرفة موعد العيد كانت تتم بطرق بدائية، مثل استراق السمع لحديث السجانين أو عبر زيارات المحامين، التي كانت المصدر الوحيد للمعلومة.

وتتسع الصورة لتشمل تجارب أخرى مشابهة...

الأسير المحرر حازم السموني، الذي أمضى 15 شهرًا في الاعتقال بعد توقيفه على حاجز صلاح الدين، يروي بدوره تفاصيل قريبة من هذه المعاناة، مؤكدًا أن إدارة السجون تشدد إجراءاتها خلال الأعياد، عبر زيادة الحراسة وفرض رقابة مشددة، مع تهديدات مباشرة لأي أسير يحاول إظهار الفرح.

ويستذكر حادثة اقتحام قسم الخيام في سجن "النقب"، حيث أدى العثور على فانوس مرسوم داخل الخيمة إلى الاعتداء على أحد الأسرى، في مؤشر على حجم التضييق حتى على أبسط الرموز.


ويؤكد السموني لـ"فلسطين" أن الأسرى يعيشون عزلة شبه تامة، حيث يُمنعون من معرفة التواريخ أو الأيام، ما يعمّق شعور الانفصال عن العالم الخارجي.

وتتخذ المعاناة بعدًا أكثر قسوة لدى الأسيرات...

تصف المختصة في شؤون الأسرى والأسيرة المحررة نسرين أبو كميل واقع الأسيرات بأنه "مأساوي للغاية"، خاصة في ظل تصاعد الانتهاكات خلال الحرب.

وتوضح لـ"فلسطين" أن الأسيرات يعانين من تضييق شديد، حيث يُحرمن من معرفة الوقت أو عدد أيام الشهور، نتيجة مصادرة الساعات ومنع أي وسيلة لمعرفة التوقيت.


 

كما تؤكد أن الأسيرات لا يعلمن بقدوم العيد إلا عبر زيارات المحاميات، في ظل منع تام لأي مظاهر احتفال، مشيرة إلى أن أي محاولة للتعبير عن الفرح تُقابل بالقمع والضغط النفسي.

وفي خلفية هذا المشهد الإنساني، تتقاطع الأرقام مع الواقع...

تشير مؤسسات معنية بشؤون الأسرى إلى أن عدد المعتقلين في السجون الإسرائيلية تجاوز 9500 أسير حتى بداية الشهر الجاري، من بينهم 73 أسيرة ونحو 350 طفلًا، إضافة إلى 3442 معتقلًا إداريًا.

وبينما يطرق شويدح أبواب أقاربه مهنئًا بالعيد، يبقى آلاف الأسرى خلف القضبان، يعيشون تفاصيل أعيادهم في صمتٍ قاسٍ، بعيدًا عن الأهل والفرح.

وهكذا، تتشكل الحكاية في منتصفها تمامًا: بين بدايةٍ يملؤها الأمل ونهايةٍ يثقلها الألم، تتجسد قصة إنسانية مزدوجة، تختصر تناقض العيد بين من يحتفل به على ضوء الحرية، ومن يعيشه في ظلمة السجن.

 

اخبار ذات صلة