﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ طه: 39
كيف لرجلٍ مُقعد الجسد أن يُقيم أمة؟ وكيف لروحٍ محاصرة أن تفتح أبواب التاريخ؟
إنه الشيخ أحمد ياسين… حيث يتحوّل الإيمان إلى قوة، والفكرة إلى مصير، والصبر إلى مشروع لا يُهزم.
لم يكن الشيخ مجرد قائدٍ في لحظة، بل كان صانع مسار؛ أدرك مبكرًا أن المعركة في فلسطين لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تبدأ من بناء الإنسان. فأسّس مشروعًا متكاملًا يجمع بين الدعوة والتربية والتنظيم، حتى غدت الفكرة كيانًا، وتحولت البذرة إلى شجرةٍ وارفة اسمها المقاومة. لم يكن صوته الأعلى، لكنه كان الأعمق أثرًا؛ يزرع في القلوب يقينًا، وفي العقول وعيًا، وفي الواقع مسارًا.
في سيرته ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾الأحزاب: 23 ، تتجلى معاني وراثة الأنبياء لا بوصفٍ نظري، بل كتجربة حيّة؛ صبرٌ على البلاء، وثباتٌ في الموقف، ووضوحٌ في الرؤية. جسدٌ أنهكه المرض، لكن روحًا حملت أمانة مشروعٍ أكبر من الألم، وأوسع من الجغرافيا. ومن كرسيه المتحرك، أعاد تعريف القوة: أن تكون ثابتًا حين يتراجع الجميع، ومبصرًا حين تضطرب الرؤى، ومؤمنًا حين يبهت اليقين.
لم يكن تأسيسه للمقاومة فعلًا عسكريًا عابرًا، بل كان قرارًا استراتيجيًا طويل المدى؛ نقل القضية من ردّ الفعل إلى صناعة الفعل، ومن الشتات إلى التنظيم، ومن العاطفة إلى البناء المؤسسي. فجمع بين الفكرة والتنظيم، بين الدعوة والفعل، حتى صار مشروعه معادلةً أربكت الخصوم، لأنها لم تكن قابلة للكسر السريع، بل للنموّ المتواصل.
وحين اغتاله الاحتلال، ظنّ أنه يُسدل الستار… فإذا به يفتح فصلًا جديدًا؛ لأن الرجال الذين يُؤسسون بالفكرة لا يموتون باغتيال. تحوّل الشيخ إلى رمزٍ متجاوز للزمن، وإلى معيارٍ يُقاس به الثبات، وإلى ذاكرةٍ حيّة تستعاد كلما اشتدّت المحن.
اليوم، لا يُستحضر الشيخ أحمد ياسين كذكرى رحيل، بل كـ منهجٍ حيّ: بناء الإنسان قبل الميدان، ترسيخ الهوية قبل الصدام، وربط الإيمان بالفعل حتى يصير الصمود أسلوب حياة. وهنا تكمن عبقريته؛ أنه لم يورّث خطابًا عابرًا، بل أورث طريقًا ممتدًا.
لم يكن الشيخ أحمد ياسين رجل مرحلة، بل صانع مراحل؛ لم يقاتل بالسلاح وحده، بل بفكرةٍ إذا سكنت القلوب صنعت أمة. ومن فهم سرّه، أدرك أن المعركة لا تُخاض فقط على الأرض… بل تُحسم أولًا في الوعي الذي يحرسها.

