قائمة الموقع

عيدٌ بلا ضحكة... كريم يقطع ثلاثة كيلومترات بدراجته حاملًا نبأ استشهاد عائلته

2026-03-23T19:03:00+02:00
عيدٌ بلا ضحكة... كريم يقطع ثلاثة كيلومترات بدراجته حاملًا نبأ استشهاد عائلته
فلسطين أون لاين

في خيمةٍ صغيرة نُصبت على عجل بالقرب من منزله المدمّر، يجلس الطفل كريم البراوي (9 أعوام)، متكئًا على ركام الذاكرة أكثر من وسادةٍ مهترئة.

يحدّق بصمت في الفراغ، في حين تمرّ أيام عيد الفطر ثقيلةً دون أن تترك أثرًا للفرح، لا أصوات تكبيرات، ولا ضحكات أطفال، ولا مظاهر بهجة كما كانت في الأعوام السابقة.

وحده الحزن يخيّم على المكان، كأن العيد مر من هنا خجولًا، ثم انسحب تاركًا خلفه وجوهًا أنهكها الفقد، وقلوبًا لم تعد تعرف معنى الاحتفال.

ففي السابع والعشرين من يونيو/حزيران عام 2025، ارتقت والدته وإخوته الثلاثة: محمد (15 عامًا)، ويعقوب (19 عامًا)، وشقيقتهما الطفلة ميرا (عامان). كما استشهد أيضًا خاله محمد وزوجته وطفلاه، وخاله الآخر أحمد، وخالتاه دعاء وآلاء.

يحاول كريم، أن يستعيد أنفاسه، ثم يبدأ بالكلام ببطء، وكأن كل كلمة تمرّ عبر ذاكرة مثقلة بالنار: "كنا نعيش في المدرسة بعد ما نزحنا.. كنا نظنها مكانًا آمنًا".

غرفة صفية

في تلك الغرفة الصفية، كانت العائلة تحاول أن تصنع شيئًا يشبه الحياة، بعضهم يرتّب الأغطية، وآخرون يجهّزون طعامًا بسيطًا، فيما الأطفال يتنقّلون بين الزوايا الضيقة بحثًا عن مساحة للعب.

ويقول كريم لصحيفة "فلسطين": "أمي كانت مع إخوتي، وأنا خرجت إلى الساحة ألعب بالدراجة".

لم يكن يدرك، أن تلك اللحظة العابرة ستفصل بين عالمين؛ عالم كان فيه طفلًا، وآخر سيحمل فيه ذاكرة لا تشبه عمره.

يتابع البراوي، بصوت خافت: "فجأة ظهرت طائرة صغيرة، دخلت الصف مباشرة، وبعدها انفجرت".

تتسارع أنفاسه وهو ويضيف: "ثم جاءت طائرة ثانية، وبعدها صار كل شيء نارًا".

من الخارج، لم يكن يرى سوى ألسنة اللهب والدخان الكثيف، أما في الداخل، فكانت عائلته، والدته، وإخوته، وأقارب احتموا بالغرفة نفسها، ويردف وهو يطأطئ رأسه "سمعت صراخهم لكني لم أستطع أن أفعل شيئًا".

في تلك اللحظات، تحوّل المكان الذي لجؤوا إليه بحثًا عن الأمان إلى مشهد مأساوي، هرع النازحون لمحاولة إخماد الحريق، لكن النيران كانت أسرع من كل محاولاتهم.

لحظة رعب

في خيمةٍ مجاورة، يستعيد عمّه علاء تفاصيل وصوله قائلًا: "وصل وهو يرتجف على دراجته الهوائية بعد أن قطع مسافة تُقدَّر بثلاثة كيلومترات، ولم يكن قادرًا على الكلام في البداية، بل اكتفى بالبكاء".

يسكت قليلًا، ثم يضيف لصحيفة "فلسطين": "عندما أخبرني بما حدث، شعرت أن الأرض انسحبت من تحت أقدامنا".

يستحضر كريم، آخر لحظاته مع والدته، وكأنها الصورة الوحيدة التي بقيت له: "كانت تجهّز الطعام وقالت لي: اذهب والعب قليلًا". يصمت، ثم يهمس: "لو كنت بقيت لكان الآن أنا معهم".

لم يكن ما حدث حادثًا فرديًا، بل جزءًا من مأساة أوسعه شهدها قطاع غزة، من بينها مجزرة مدرسة أسامة بن زيد التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" في نوفمبر 2023، التي كانت تؤوي نازحين في منطقة الصفطاوي.

قنبلة داخل الصف

وعلى مقربة من كريم يقف شقيقه زكريا (13 عامًا)، أحد الناجين، يصف المشهد من زاوية أخرى: "كنت في الساحة رأيت الطائرة تقترب، ثم ألقت قنبلة داخل الصف".

ويتوقف قليلًا، ثم يكمل: "بعدها بثوانٍ، جاءت أخرى واشتعل كل شيء".

لم يكن ما رآه قابلًا للتصديق، "أمي، إخوتي، أقاربي، كلهم كانوا في الداخل". يقول، قبل أن تخونه الكلمات ويبدأ بذرف الدموع.

هرب "زكريا"، من المكان، يركض بلا اتجاه، محاولًا النجاة من المشهد قبل أن ينهار، "كنت أبكي وأصرخ، لم أكن أفهم ماذا حدث".

عندما وصل إلى أقاربه، لم يستطع أن يشرح ما جرى، في الوقت ذاته، كان مقطع مصوّر للنيران داخل الصف ينتشر، ليكشف الحقيقة القاسية.

يقول أحد أفراد العائلة: "حاولنا أن نكذب أن نقول: إن الأمر ليس صحيحًا، لكن الحقيقة كانت أقسى من الإنكار".

اتجهوا جميعًا نحو المدرسة، بقلوب مثقلة بالخوف، والقول لعلاء البراوي، لكن ما وجدوه هناك لم يترك مجالًا للأمل، آثار الحريق، ورائحة الدخان، وأجساد أنهكها اللهب".

يروي أحد الشهود من النازحين: "الطائرة الأولى أطلقت مادة داخل الصف، ثم جاءت أخرى، وبعدها اشتعلت النيران بسرعة كبيرة، لم يتمكن أحد من إنقاذ من كان في الداخل".

تمر أيام عيد الفطر على "كريم وزكريا" دون أن تحمل أي معنى للفرح، لا زيارات ولا ملابس جديدة، ولا حتى طقوس بسيطة تذكّرهم بما كان.

في الخيمة، تتكدّس الذكريات بدل الهدايا، وتُستعاد الوجوه الغائبة بدل اللقاءات، يقول كريم، بصوت بالكاد يُسمع: "العيد كان يعني أمي، الآن لا أشعر أنه عيد".

وبحسب بيانات وزارة الصحة بقطاع غزة، خلّفت حرب الإبادة الجماعية، عشرات الآلاف من الضحايا، وآلاف القصص التي تشبه قصة هذه العائلة، حيث لا ينتهي الحزن بانتهاء الحدث، بل يبدأ معه.

يمسك كريم، دراجته الصغيرة، ينظر إليها طويلًا، ثم يرفع عينيه نحو السماء، لا يطلب شيئًا كبيرًا، فقط يتمتم: "نفسي أرجع مثل قبل ولو ليوم واحد". لكن في غزة، حتى الأمنيات الصغيرة تبدو بعيدة، كالعيد الذي يمرّ بلا فرح.

اخبار ذات صلة