في ساعة متأخرة من الليل، وبينما كانت الرياح تزأر كوحش جائع، كانت النازحة حنان النجار تشد بيديْن مرتجفتيْن أطراف خيمتها المُثبتة أمام البحر مباشرة في مُحاولة بائسة لمنع اقتلاعها.
تقطن حنان البالغة (34 عامًا) تحت سقفٍ لا يُشبه البيوت.. فقط خيمة مهترئة مصنوعة من القماش الخفيف، يخترقها صفير الرياح من ثقوب تملؤها، وتتسرب عبرها مياه الأمطار، كانت قد لجأت إليها على حافة رصيف ميناء الصيادين، غرب مدينة غزة، منذ أن سوَّى جيش الاحتلال منزلها بالأرض في منطقة جباليا البلد، شمالي القطاع، إبَّان حرب الإبادة الإسرائيلية.
طالع المزيد: رصيف الميناء صار مأوى.. حكايـةُ أسـرة نازحة تَفتَرِسُها أنيابُ البحر
مأساة العيش في هذا المكان الذي لا يعرف الدفء لاسيما عندما تتوالى المنخفضات الجوية العميقة، لا تقتصر على حنان وحدها، حيث يرافقها أطفالها الأربعة الذين غيَّبت الحرب والدهم، وتركت والدتهم أرملة تضيق بها الحياة.
على الرصيف الذي تكسو جانبيه كتل اسمنتية ضخمة تحاول منع الأمواج من الانقاض على خيام النازحين المتناثرة فوقه، تحولت حياة حنان وأطفالها إلى كابوس لا نهاية له تحت سقف خيمة هشَّة تكاد الرياح أن تقتلعها في حين تداهمها الأمطار دون إذن مسبق.

تعترف حنان وهي تتحدث لصحيفة "فلسطين"، بينما أطلَّت الدموع من عينيها، أن الطريقة التي لجأت إليها لتثبيت الخيمة بوضع أكياس مملوءة بالرمل على أطرافها لن تدوم طويلاً، وأن خيمتها القماشية ستقتلع حتمًا، لكنها لا تجد ملاذًا آخر تؤوي إليه مع أطفالها الأيتام ووالدتها، وشقيقتها.
بصوت خافت أضافت حنان: "عندما جئنا إلى رصيف الميناء لم نتوقع أن نواجه هذه الظروف القاسية، وكأننا لم نكتفِ بحياةِ الفقد والجوع والحرمان، لقد صرنا نحيا كالبؤساء، لا يتوفر عندنا طعام كافٍ ومأوانا الوحيد مهدد بالاقتلاع".
في ساعات النهار، تعمل حنان بمساعدة بنتها نعمة (14 عامًا) وابنها إبراهيم (10 أعوام)، على ترتيب أغراض الخيمة من فرشات وأغطية رطبة، قبل أن تتفقد الأم أكياس الرمل والحواف الخارجية للخيمة لتعرف مدى ثباتها، وما إذا ظهرت فيها ثقوب جديدة أم لا. وبحلول المساء، ترفع رأسها عاليًا إلى السماء، وعندما تشاهد الغيوم وأضواء البرق اللامعة من بعيد، تدرك أنها أمام ليلة أخرى من الرياح والأمطار، فتصير دقات قلبها تدوي كطبول الإعدام من شدة الخوف.
طالع المزيد: المنخفضات الجوية تكشف عمق الأزمة البيئية في قطاع غزة
تحت سقف الخيمة ذاتها، تجلس والدة حنان، المسنة مريم النجار (60 عامًا)، حيث يتشاركون ذات المأوى بعدما ضاقت بهم السبل، ولم يجدوا متسعًا في المدارس والمباني الناجية من الحرب والتي تحولت إلى مراكز تؤوي عشرات آلاف النازحين.

بينما كانت مريم تتحدث مع صحيفة "فلسطين" وهي تنظر إلى أحفادها، أطلَّ يأس حاد من كلامها، إلا أنها في نفس الوقت ابتسمت بينما اغرورقت عيناها بالدموع، وكأنها تواسي نفسها رغم قسوة الظروف الجوية والبرد الذي يتسلل إلى الخيام.
وعندما يخلدون للنوم في وقت يستمر فيه المنخفض الجوي الذي يتأثر به قطاع غزة، وتشتد معه سرعة الرياح ويعلو هدير البحر، تبقى الأم ساهرة طيلة ساعات الليل، لا ترمش عينها عن مراقبة أبنائها، لاسيما أصغرهم معتصم البالغ عامين، ورزان (5 أعوام).
تقول حنان أيضًا: "أبنائي كل ما تبقى لدي في هذه الحياة.. أخاف عليهم من كل شيء بعدما فقدت والدهم وصرنا بلا مُعيل".
وفي خضِّم الحرب التي بدأها جيش الاحتلال يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت عامين، وقَتَل فيها قُرابة 73 ألف مواطن، وأصاب أزيَّد من 170 ألف آخرين، فقدت حنان زوجها بلال النجار (35 عامًا) في قصف إسرائيلي.

وكان جيش الاحتلال دمر محافظات كاملة في القطاع الساحلي، ويسيطر بقوة النيران على أكثر من نصف مساحته البالغة 365 كيلومترًا مربعًا خلف ما يسمى "الخط الأصفر"، وحال دون تمكين العائلات النازحة من العودة إلى مناطق سكنهم.
الشاب عائد شاهين (35 عامًا) من المواطنين الذين دمر جيش الاحتلال منازلهم، ولم يجد ملاذًا لزوجته وأطفاله الأربعة أكبرهم ثائر (10 أعوام) ويصغره التوأمين تامر ونريمان (8 أعوام)، وكارم عام ونصف، سوى خيمة ثبتها على حافة الميناء.
بينما كانت الرياح الشديدة المحملة بالرمال ترتطم بوجهه كصفعات متتالية، كان عائد يحدق بشاشة هاتف ذكي، يتابع أخبار المنخفض الجوي بحثًا عن خبر يفيد بانتهائه، قبل أن يقول ووجهه مغطى بالغبار: "المنخفضات هنا لا نهاية لها، البرد يلسع أجسادنا نهارًا وليلاً".
كان عائد يعيش في شقة سكنية صغيرة في منطقة جباليا البلد، شمالاً. حياته لم تكن مليئة بالترف لكنها كانت كافية أن تجعله سعيدًا، قبل أن تحولها الحرب إلى كابوس بعدما كان يعمل سائق سيارة أجرة، ويوفر قوت عائلته واحتياجاتها.
اليوم، أصبح مصيره كمصير مئات آلاف المدمرة منازلهم، يعيشون حياة بائسة في أماكن تفتقد لأدنى مقومات الحياة الآدمية.
قال عائد لصحيفة "فلسطين": "كان بيتنا يحمينا من البرد والأمطار، الحرب جعلتنا نعيش في خيمة لا تصد الرياح، وتغرقها الأمطار.. أي حياة هذه؟!".
طالع المزيد: الرائد بصل لـ"فلسطين": المنخفضات الجوية خلَّفت كوارث إنسانية بغزة
أضاف: "نريد كرفانات وبيوت متنقلة تحمينا ونساءنا وأطفالنا".
لا تعدّ هذه المطالب أقصى ما يتطلع إليه عائد وغيره من النازحين، بل إنها حلول مؤقتة تبقى مؤجلة إلى حين قبول الاحتلال الإسرائيلي بإدخال البيوت المتنقلة عبر معابر القطاع التي يتحكم بها عبر أذرعه الأمنية، ويفرض قيودا مشددة تطال أيضًا المساعدات الإغاثية، في خرق فادح لاتفاق ووقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر 2025.

