في تحدٍّ فادحٍ يمس بشعائِر المسلمين، ويطال الإجراءات المعمول بها في المسجد الأقصى، ولا سيما في المناسبات الدينية، ومنها شهر رمضان والعيدان، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاقه ومنع وصول المصلين إليه منذ أكثر من 20 يوما. ليس ذلك فحسب، بل إنها تقمع كل من يحاول الوصول أيضًا إلى أقرب نقطة منه استجابة لحملة "#سنفتح_أقصانا"، التي انطلقت رفضًا لإغلاقه وتحديًا لمخططات تهويده.
إلا أن الأخطر في المشهد، أن الذرائع الكاذبة التي برر الاحتلال بموجبها قرار الإغلاق تتزامن مع دعوات تحريضية مُستمرة تبثها جماعات استيطانية متطرفة لذبح ما يسمى "القُربان" داخل المسجد الأقصى.
طالع المزيد: لليوم الـ 24.. المسجد الأقصى بلا مصلين والاحتلال يصعِّد تشديداته في البلدة القديمة
وتتخذ (إسرائيل) من عدوانها على إيران بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مبررًا لإغلاق الأقصى، ورأت في مزاعم سقوط شظايا صاروخية على ما يسمى "الحي اليهودي" قرب المسجد المبارك ذريعة لمواصلة الإغلاق.
وفي اعتراف صريح يكشف دوافع إغلاق الأقصى، قال الحاخام اليهودي يوسف مزراحي معبرًا عن أمنيته تجاه الأقصى: "ربما يصيب أحد الصواريخ الإيرانية المسجد عن طريق الخطأ، ويمسحه من الوجود، وسيكون ذلك معجزة تمهد الطريق لبناء (الهيكل الثالث)، وحينها يمكننا أن نلوم إيران على ذلك".
وتضمنت تصريحاته المتطرفة التي أدلى بها، مؤخرًا، أنه "لا ينبغي أن تكون الأوقاف الإسلامية هي من يقرر من يدخل أو من يصلي، السيادة يجب أن تكون إسرائيلية حصرًا"، على حد زعمه.
طالع المزيد: لأول مرة منذ 59 عامًا.. منع إقامة صلاة عيد الفطر في المسجد الأقصى
ويؤكد الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص، أن شهر رمضان لعام 2026، شهد أطول إغلاق للمسجد الأقصى بقرار من الاحتلال منذ تحريره من الصليبيين قبل أكثر من ثمانية قرون.
وبين ابحيص لصحيفة "فلسطين"، أن الاحتلال فرض خلال رمضان سوابق تاريخية لم يتمكن من فرضها من قبل؛ بمنع الجمعة في رمضان لأول مرة، ومنع صلاة التراويح والتهجد والاعتكاف طوال العشر الأواخر.
وأشار إلى قرار الاحتلال إبقاء الأقصى مغلقًا طيلة أيام عيد الفطر.
وأضاف ابحيص: "لم يعد خافيًا أن إغلاق الأقصى عمل من أعمال الحرب، مدروس ومخطط ويهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد، ويشكِّل مناورة حيَّة لعزله في أقدس الشهور وأكثرها شدًا للرحال وتوافدًا للمصلين إلى الأقصى، تمهيدًا لعدوان أكبر"، في إشارة إلى أيام شهر رمضان التي قضاها المسجد الأقصى يتيمًا.
وحذَّر من أن الأقصى ماضٍ من خطر إلى خطر أكبر، يتجسد أولها بذبح "القربان الحيواني"، وبموجبه يُدخِل المستوطنون اليهود حملٍ أو سخلٍ إلى الأقصى لذبحه فيه، تطبيقًا لـ"ذروة العبادة التوراتية، وتكريسًا للتعامل معه وكأنه قد بات (هيكلاً) حتى وإن كانت أبنيته ما تزال إسلامية".
ويمثل ذلك -بحسب ابحيص- "ذروة التأسيس المعنوي للهيكل، بحيث تُشكل هذه العبادات مقدمة معنوية للتأسيس المادي (للهيكل) المزعوم في مكان المسجد الأقصى وعلى كامل مساحته".
وفسَّر المفهوم اليهودي لذبح "القربان"، بقوله: "الفكرة أن اليهودية كما استقرت في شكلها المعاصر تؤمن بعقيدة الحلول، وبأن (الهيكل) المزعوم كان الموضع الذي سكنت فيه (روح الرب) وفق الأسطورة التوراتية، وبالتالي فإن القرابين تُقدم إلى (روح الرب) في محل سكنها. تقديم القرابين في الأقصى يمثل توظيفًا استعماريًا للطقوس الدينية كأداة تهويد وقضم وفرض وقائع جديدة".
وفي السياق نفسه، حذرت محافظة القدس من حملات إسرائيلية لمواصلة إغلاق الأقصى حتى نهاية الحرب مع إيران، وذبح قرابين فيه خلال "عيد الفصح" اليهودي، في ابريل/ نيسان المقبل.
وأكدت في بيان لها، أن منظمات "الهيكل" كثفت حملاتها الدعائية لتقديم قربان "الفصح" داخل الأقصى، وروجت صورًا ومقاطع مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لتعبئة جمهورها وفرض "الطقس" الديني بالقوة.
وبينما تستعر حملة الاحتلال وأذرعه الأمنية والاستيطانية ضد الأقصى، يُواصل سياسيون وكتاب ومتخصصون في شؤون القدس ونشطاء، وفي خطوة تعكس رفضهم لانتهاكات الاحتلال، النشر والتغريد على مواقع التواصل الاجتماعي ضمن حملة "سنفتح أقصانا"، والتي انطلقت مع تصاعد وتيرة استهداف المسجد المبارك.
وباستخدام وسم "#سنفتح_أقصانا"، تضمنت الحملة تغريدات حذرت من مخاطر انتهاكات الاحتلال، جاء في إحداها: "يحاولون إقناع العالم بأنها مجرد إجراءات مؤقتة، لكن الحقيقة أنها معركة إرادات تُحسم الآن! كل دقيقة تمر وهم ينفردون بالمكان (الأقصى) هي مكسب لمخططهم".
وتضمنت التغريدة نفسها: "عهدنا في القدس أن الكلمة الأخيرة دائمًا لأصحاب الحق، وواجبنا اليوم أن نكون الصوت الذي يكسر هذا الحصار".
وفي تغريدة أخرى نشرت على عدة حسابات في مواقع التواصل: "يُغلقونه لنا ليتفردوا بـ(قرابينهم)! إفراغ المسجد الأقصى اليوم ليس إجراءً أمنيًا كما يزعمون، بل هو تأمين للساحات وتجهيزها لفرض طقوس (ذبح القرابين) بعيدًا عن أعين المصلين".
ومع إعلان الإعلام العبري تمديد إغلاق المسجد الأقصى حتى نهاية عيد الفطر، استحضر مغرِّدون الهبّات التي تحدت قرارات الاحتلال وتجاوزتها، ولولاها لما فتحت أبوابه مجددًا.
وعدَّوا أن "إغلاق الأقصى اليوم ليس صدفة، بل هو جولة جديدة تنتظر الروح التي استعاد باب الأسباط وباب الرحمة".
وفي تقرير نشره موقع "ميدل ايست"، مؤخرًا، بشأن مخاطر مخططات الاحتلال التي تستهدف الأقصى، بيَّن أن حصاره ليس ضرورة أمنية لـ(إسرائيل)، بل هدف استراتيجي لتفريغه وسحب السيادة، مؤكدًا استخدام الصراع الإقليمي كغطاء لتمرير التفريغ الدائم لصالح اليهود.