قائمة الموقع

العيد في غزة.. طفولة عالقة بين الخيام والركام

2026-03-22T12:49:00+02:00
الأطفال في غزة ضحية الحرب والأكثر تأثرا من إفرازاتها
فلسطين أون لاين 

وسط مدينة غزة، تحلّقت الطفلة عائشة عياد مع طفلين آخرين حول خرطوم مياه أملا في تعبئة بعض الجالونات في ثالث أيام عيد الفطر. وجوه متعبة، ونظرات ضيّقة، وانحناءة لا تفارق جسدها الصغير وهي تبحث عن ماء في أزقة خيام النزوح.

أمسكت عائشة الخرطوم تترقب قطرات المياه الشحيحة وعيون من حولها ينظرون وينتظرون دورهم. هم مثلها مثقلون بأعباء تسبق أعمارهم فرضتها حرب الإبادة الجماعية وتداعياتها المستمرة رغم اتفاق وقفها الساري منذ أكتوبر/تشرين الأول.

تتكالب على هؤلاء الأطفال الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع والحرمان من حقهم في اللعب في ظل الدمار الواسع الذي ألحقه الاحتلال بالمرافق المخصصة لهم، وزجهم في معاناة تلاحقهم في العيد.



ماذا تغيّر عليك في العيد يا عائشة؟ تتلعثم حروفها قبل أن تجيب عن سؤال صحيفة "فلسطين": "هيني بعبي ميّة، ما عملت اشي لا مبارح ولا اليوم ولا اشتريت أواعي للعيد". تضيف: "ضليت قاعدة على الجوال فترة أول يوم العيد، وولعت نار وسخّنت ميّة"، قبل أن تتزاحم مع الأطفال على تكية الطعام لجلب بعض الأرز.

في مشهد آخر، يجلس الطفل عمر شلحة (10 أعوام)، على الأرض بين أكوام القمامة. يبحث بعناية عن علب الكولا الفارغة، لا لشربها، بل لأخذ أغطيتها التي ستصبح لعبته الصغيرة: "ملك وعشرة".

"ما عندنا ألعاب تانية"، يضيف شلحة لصحيفة "فلسطين"، صوته هادئ لكنه يحمل ثقل الحياة المبكر. هو واحد من ستة إخوة، وأبوه شهيد في الحرب، ويعيشون في خيمة وسط مدينة غزة.


في أول يوم العيد، زار جدته في شمال القطاع محاولًا استعادة بعض لحظات الفرح، لكن العودة إلى خيمته وسط مدينة غزة لا تعني طقوسا أخرى للعيد، بل تفاصيل حياته اليومية: جمع الحطب، وإشعال النار، والمساعدة في كل ما تحتاجه أسرته، دون أن يفوته البحث عن لعبة يبتكرها، ولو كانت من بين القمامة.

أما الطفل يوسف صبحي (11 عاما) وابن عمه كانا منهمكان في جمع النايلون لإيقاده قرب خيمة نزوحهم وسط المدينة أيضًا. غابت عن صبحي طفولته وبات يبحث عن شيء من التدفئة لأسرته في ظل انخفاض درجة الحرارة.

بحسرة يقول لصحيفة "فلسطين": "أبويا ما بيشتغل، ما اشترينا اواعي العيد، وكنت اجمع النايلون للنار عشان نتدفى ونطبخ شوية عدس أو رز أو معكرونة". هكذا يمضي أيامًا يفترض أن يحظى فيها بفرص اللعب.


في مخيم آخر للنازحين بغزة، كانت فداء محرم الأم لخمسة أطفال تنظر إليهم وهم يلعبون على الرمال، دون أن تستطيع لومهم. هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يفرغون فيها طاقاتهم وسط الدمار الواسع وبين أزقة الخيام.

تقول فداء لصحيفة "فلسطين": كنا نعيش في أرقى أحياء مدينة غزة وهو حي الرمال. دمر الاحتلال بيتنا، لقد كان مكانا رائعا تتوفر فيه الأراجيح، أما هنا فالمكان كله رمل ووحل ويختلف العيد كليا.

وتأسف السيدة لعدم وجود بدائل تمكن الأطفال من اللعب، ما يلقي بظلاله السلبية على حالتهم النفسية. تضيف: يقولون لي هذا ليس عيدًا، وأعجز عن فعل أي شيء لهم، فقط أخبرهم أن عليهم التأقلم.

ولا يزال أطفالها يذكرون كيف استشهد ابن خالهم الذي كان يبلغ ستة أعوام خلال حرب الإبادة. كان يلعب بدراجته الهوائية أمام المنزل، لكنه كان ضحية لصواريخ الاحتلال التي خطفت طفولته.



اعتادوا جميعا على حضوره، واليوم يبكون غيابه ويسألون: "ما ذنبه؟" ثم تستدرك والدتهم بأن "يامن" الطفل الشهيد هو واحد من آلاف الأطفال الذين قتلهم الاحتلال دون ذنب.

وفي إحدى زوايا المخيم، تقف خمس طفلات أخوات بعد أن تجولن في مساحاته الضيقة. تقول والدتهن سرين النبيه: الشيء الوحيد الذي شعرنا بالعيد معه هو زيارة أقاربنا لنا، لكن الأطفال يفتقرون إلى أي طقس خاص بهم.

تضيف سرين النازحة من حي الصبرة، لصحيفة "فلسطين": لا توجد ملاهي ولا ملاعب ولا مساحات خضراء. كان بناتي ينتظرن يوم العيد الذي بات "عاديا" كأي يوم آخر في ظل الحرب وتداعياتها.

وتحاول الطفلات الخمسة صناعة أجواء من الفرح عبر ألعاب تقليدية مثل "الحجلة" و"نط الحبل"، في ظل عدم توفر أماكن يمكن أن يذهبن للترفيه فيها.

هكذا، يمضي العيد على أطفال غزة كأيام عادية مثقلة بالفقد والتعب، بينما يكبرون قبل أوانهم، ويتعلمون كيف يصنعون حياة من العدم، وكيف يقتنصون لحظة فرح عابرة وسط كل هذا الدمار.

اخبار ذات صلة