لم تكن الحرب وحدها ما غيّر حياة جواد حمادة، بل ما تبعها من نزوح متكرر حوّل يومياته إلى معركة مضاعفة، لا تتعلق فقط بالبقاء، بل بالقدرة على الحركة والكرامة في آن واحد.
في أحد أحياء منطقة التفاح شرق مدينة غزة، يجلس جواد على كرسيه المتحرك، محاطًا بما تبقى من تفاصيل حياة تآكلت تحت القصف. شاب متزوج، وُلد بإعاقة حركية نتيجة شلل دماغي، لكنه وجد نفسه في مواجهة واقع أشد قسوة مما عرفه طوال حياته.
يقول بصوت مثقل لـ "فلسطين أون لاين": "الحرب كانت صعبة… لكن النزوح كان أصعب بكثير".
مع تصاعد القصف، حاول جواد الاستعداد بما توفر لديه من إمكانيات بسيطة، فجمع بعض الشمع والبطاريات والأدوية، مدركًا أن القادم قد يكون أقسى. لكن تلك الاستعدادات لم تصمد أمام واقع فرض عليه مغادرة منزله والتنقل بين أماكن غير مهيأة لاحتياجاته.
النزوح بالنسبة له لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل عبء جسدي ونفسي مضاعف. يوضح: "تعبت من التنقل، من النوم في أماكن غير مناسبة، ومن قلة الطعام والماء".
في مراكز الإيواء والخيام، بدت الحركة شبه مستحيلة، فيما غابت أبسط الخدمات التي يحتاجها شخص في وضعه، ما جعل تفاصيل حياته اليومية أكثر تعقيدًا.
لكن الأثر الأعمق كان نفسيًا. يتوقف قليلًا قبل أن يقول: "النزوح كسر داخلي شيئًا كبيرًا… إحساس أنك غريب، أنك فقدت بيتك وأمانك".
لحظات كثيرة، كما يروي، اقترب فيها من الانهيار، رغم محاولاته المستمرة للتماسك.
ولم تكن المساعدات الإنسانية ملاذًا حقيقيًا له، إذ بقيت، كما يقول، "تمر من أمامه دون أن تصل إليه".
يرجع ذلك إلى غياب مراعاة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة في آليات التوزيع، سواء من حيث نوعية المساعدات أو سهولة الوصول إليها، خاصة مع دمار الطرق وبُعد مراكز التوزيع.
ورغم هذا المشهد القاسي، يجد جواد في التضامن الإنساني بصيص قوة. "كنا نواسي بعضنا، نشارك اللقمة، ونحاول أن نضحك"، يقول بابتسامة خفيفة، معتبرًا أن هذه الروح الجماعية كانت طوق نجاة في وجه الانهيار.
تعكس قصة جواد واقعًا أوسع يعيشه آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة، حيث تتضاعف معاناتهم في ظل الحرب والنزوح، نتيجة غياب البنية التحتية الملائمة، وضعف إدماج احتياجاتهم في خطط الاستجابة الإنسانية.
وتشير تقديرات أممية إلى أن هذه الفئة تواجه تحديات مركبة، تبدأ من صعوبة الحركة والوصول، ولا تنتهي عند نقص الأدوات الطبية والمساندة، ما يجعلها من أكثر الفئات هشاشة في أوقات الأزمات.
في ظل ذلك، تتزايد الدعوات للجهات الإنسانية بضرورة تطوير آليات توزيع أكثر شمولًا، تراعي الاحتياجات الخاصة، وتضمن وصول المساعدات بشكل عادل، خاصة لأولئك غير القادرين على الوصول إليها بأنفسهم.
بالنسبة لجواد، لم تكن التجربة مجرد معاناة عابرة، بل درس قاسٍ في الصبر والقدرة على الاستمرار.
يقول: "تعلمت أن الإنسان أقوى مما يظن… لكننا بحاجة لدعم حقيقي".
وفي غزة، حيث تتداخل أصوات الألم مع محاولات البقاء، تبقى حكاية جواد شاهدًا على معاناة مضاعفة، يعيشها من يجد نفسه عالقًا بين الإعاقة والحرب والنزوح، بانتظار فرصة عادلة لحياة أكثر كرامة.

