في وقت تزداد فيه الأعباء المعيشية على سكان قطاع غزة، تكشف الأرقام والقصص اليومية عن أزمة اقتصادية خانقة، تتسع فيها الفجوة بين دخل الأسر ونفقاتها الأساسية، ولا سيما مع حلول شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، ما يضع آلاف العائلات أمام تحديات غير مسبوقة لتأمين احتياجاتها.
أدّت حرب الإبادة على قطاع غزة إلى اختلال حاد في التوازن بين دخل الأسرة ونفقاتها، إذ أصبحت كلفة المعيشة أعلى بكثير من القدرة المالية المتاحة، فيما يُعرف بالضغط الاستهلاكي. ومع تراجع الإنتاج وانكماش فرص العمل، باتت الأسر تعتمد بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية، أو الديون العائلية، أو حتى تقليص استهلاك الغذاء ذاته.
يقول المواطن ناهض عابدة، وهو أب لأسرة مكوّنة من ستة أفراد: "نعيش اليوم تحت ضغط معيشي غير مسبوق، في ظل دخل محدود بالكاد يكفي، مقابل ارتفاع متواصل في الأسعار أنهك قدرتنا على الاستمرار".
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "بعد عامين من الحرب، لم نعد قادرين على تلبية أبسط احتياجاتنا الأساسية، وأصبحت الأولويات تقتصر على ما يُبقي الأسرة على قيد الحياة فقط. وخلال شهر رمضان تتضاعف الأعباء، ومع اقتراب العيد تزداد المخاوف، في ظل عجز واضح عن توفير متطلبات أطفالي".
وفي السياق ذاته، تقول السيدة فاطمة عوض: "خلال فترة الحرب استنزفنا كل مدخراتنا، ولم يتبقَّ لدينا شيء نعود إليه. كنا نعتمد على ما وفرناه لسنوات، لكن مع استمرار الأزمة نفدت كل الإمكانيات".
وتضيف لـ"فلسطين": "نعيش على ما يصلنا من مساعدات، سواء من الأقارب أو الجهات الإغاثية، وهذا بالكاد يكفي لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتنا. زوجي أُصيب خلال الحرب وأصبح عاجزًا عن العمل، فاضطررت لتحمّل مسؤولية الأسرة وحدي في ظل ظروف قاسية جدًا، ولم تعد لدينا رفاهية الاختيار".
بدوره، يبيّن الاختصاصي الاقتصادي محمود القشاش أن الحرب لم تُدمّر البنية التحتية فحسب، بل أصابت القلب الاقتصادي للمجتمع، حيث انهارت قطاعات الإنتاج الزراعي والغذائي، وتوقفت آلاف المنشآت الصغيرة، وتقلّصت فرص العمل إلى أدنى مستوياتها.
ويضيف القشاش، لـ"فلسطين"، أن متوسط الدخل الشهري للأسرة في غزة لا يتجاوز نحو 1680 شيكلًا في أفضل التقديرات، في حين يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر.
ويوضح أن الأزمة الحقيقية تتجلى عند مقارنة هذا الدخل بالارتفاع الحاد في أسعار الغذاء؛ إذ ارتفعت أسعار الخضروات بنسبة 150%، والبيض بنحو 137%، إلى جانب ارتفاع أسعار اللحوم والزيوت النباتية والدجاج بنسب تجاوزت 50%.
ويلفت إلى أن الحرب أعادت تشكيل سوق الغذاء في غزة، حيث أصبح العرض محدودًا بفعل القيود على دخول البضائع وتراجع الإنتاج المحلي، مقابل طلب مرتفع نتيجة الكثافة السكانية والاحتياجات اليومية.
ويشير إلى أن الضغوط تتضاعف خلال شهر رمضان؛ إذ تبلغ تكلفة إفطار بسيط لأسرة مكوّنة من ستة أفراد نحو 150 شيكلًا يوميًا، فيما تصل تكلفة السحور إلى 30 شيكلًا، أي ما مجموعه 180 شيكلًا يوميًا لتأمين وجبتين فقط.
ويتابع أنه عند احتساب هذه التكاليف على مدار شهر كامل، يصل إنفاق الطعام في رمضان إلى نحو 5400 شيكل، ما يكشف حجم الاختلال الاقتصادي، حيث لا يغطي دخل الأسرة سوى ثلث احتياجاتها الغذائية.
ولا يتوقف الضغط عند هذا الحد؛ إذ يضيف القشاش أن اقتراب عيد الفطر يفرض التزامات إضافية، تشمل ملابس الأطفال والحلويات ومصاريف الزيارات، والتي قد تضيف ما بين 1100 و2000 شيكل إلى ميزانية الأسرة.
وبذلك، قد تصل تكلفة رمضان والعيد معًا إلى ما بين 6500 و7500 شيكل، في حين لا يتجاوز متوسط الدخل الشهري 1680 شيكلًا، ما يعني أن الأسرة الغزية تحتاج إلى نحو أربعة أضعاف دخلها لتجاوز هذا الموسم.