لم يبتعد الطفلان سلمان زكريا الزوارعة (14 عامًا) وابن عمه محمد يوسف الزوارعة (15 عامًا) سوى عشرات الأمتار عن منزلهما الواقع قرب مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، في محاولة لجمع الحطب لطهي الطعام، قبل أن تفاجئهما طائرة مُسيّرة من نوع "كواد كابتر" بقصف مباشر، يوم 24 يناير/ كانون الثاني 2026.
وقعت الجريمة بعد يوم واحد فقط من ترويج جيش الاحتلال لمشهد دعائي “إنساني” زائف، ادّعى فيه أن جنديين قدّما الماء والطعام لطفلين فلسطينيين اقتربا من “الخط الأصفر”، لتأتي جريمة قتل الطفلين الزوارعة وتمحو هذه الرواية بالكامل.
"نادوا الدكتور… يصحيه… هذا ابني الوحيد… ما بموتش!"، بهذه الصرخة الموجعة في مشرحة مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ودّع يوسف الزوارعة ابنه الوحيد من الذكور، غير مصدّق أنه يمرّ باللحظة التي يفقد فيها فلذة كبده.
على مقربة من المشهد، وقفت والدة الطفل محمد تبكي بصمت، ينزف قلبها قبل عينيها المحمرّتين بجمر الفقد، غير قادرة على استيعاب أن طفلها الذي كبر بين ذراعيها حتى بلغ الخامسة عشرة، تودّعه الآن إلى الأبد.
تقدّمت الأم بهدوء نحو الجثمان قبيل التشييع، عانقته وذرفت دموعها وهي تتمتم بحرقة: "رحت يا يمّا… وتركتني لمين؟"، في مشهد تختلط فيه الدموع بوجع الفراق، وكأن الحزن يغرس مخالبه في قلبها.
تروي إيمان الزوارعة، عمة الشهيد، لصحيفة "فلسطين": "كان الطفلان يحاولان جمع الحطب لطهي الطعام. لأول مرة اتفقا على شواء الدجاج بعد أشهر من المجاعة والحرمان، لكن الصاروخ كان أقرب من تحقيق هذه الأمنية. عاشا حياة قاسية ومليئة بالمعاناة".

من وداع الطفلين سلمان زكريا الزوارعة (14 عامًا) وابن عمه محمد يوسف الزوارعة (15 عامًا)
وتتضاعف المخاطر على حياة الأطفال في المناطق القريبة من “الخط الأصفر”، نتيجة اقترابها من مواقع جيش الاحتلال، الذي يواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار يوميًا، عبر نسف المنازل وعمليات “التمشيط الناري” صباحًا ومساءً، بإطلاق النار على المنازل أو أي جسم متحرك.
وأسفر ذلك عن استشهاد نحو 573 مواطنًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بينهم نحو 187 طفلًا، من بينهم 66 طفلة.
وخلال الحرب، تعطل والد محمد عن العمل، ولم يتمكن من إيجاد بدائل بسبب وضعه الصحي، لتدخل العائلة مبكرًا في دائرة المجاعة. وتستحضر عمة الشهيد جانبًا من المعاناة قائلة: "عاشوا عامين من التعب والإرهاق. كان محمد يذهب إلى نقطة المساعدات في منطقة زيكيم شمال غزة لجلب الطحين لإطعام والديه وشقيقتيه الأكبر منه، وتحمل مسؤولية تفوق عمره".
ولم يكن الحصول على كيس طحين أمرًا سهلًا؛ ففي كل مرة كان يتوجه فيها إلى هناك، كان والده يحبس أنفاسه خوفًا عليه، في ظل استهداف الاحتلال المتكرر لمنتظري المساعدات، ما أدى إلى استشهاد أكثر من ألفي شخص.

من وداع الطفلين سلمان زكريا الزوارعة (14 عامًا) وابن عمه محمد يوسف الزوارعة (15 عامًا)
وقبل أشهر، نزح محمد وعائلته إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، مع تصاعد العمليات العسكرية شمال غزة. وبعد إعلان وقف إطلاق النار، عادوا إلى منزلهم المدمر، واستصلحوا جزءًا منه لعدم وجود بديل.
تقول عمته: "كان أخي ينام بنصف عين خوفًا على ابنه، يبقى مستيقظًا طوال الليل بسبب إطلاق النار المستمر. وعندما كان يزورنا في دير البلح، كان ينام بعمق ويقول: هذه الليلة الوحيدة التي أنام فيها".
وتضيف بصوت مثقل بالحزن: "كانت العلاقة بين محمد ووالده تتجاوز الأبوة، أقرب إلى صداقة. كانا لا يفترقان، وإذا تأخر محمد، يخرج والده للبحث عنه، ويقول له: تأخرت عليّ".
في رحلة البحث عن الحطب، لم يمهل الاحتلال الطفلين كثيرًا؛ أنهى حياتهما وأحلامهما في لحظة، وحقق الكابوس الذي كان يخشاه والده، الذي حاول مرارًا حمايته، لكن القصف كان أسرع من كل محاولاته، وأثقل من أن يحتمله قلب أبٍ فقد وحيده.

