في تطور خطير يعكس ملامح مرحلة جديدة من التضييق الإنساني، أبلغت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مؤسسات دولية عاملة في قطاع غزة بنيتها تطبيق سياسة "تقطير" دخول المساعدات والبضائع، خلال اجتماع عُقد مؤخرًا، في خطوة أثارت رفضًا واسعًا وتحذيرات من تداعيات كارثية على الوضع الإنساني المتدهور أصلًا في القطاع.
وبحسب ما أفادت مصادر إعلامية فإن هذه السياسة تقوم على تقليص كميات المساعدات المسموح بدخولها بشكل كبير، ما يعني إدخال أعداد محدودة من الشاحنات يوميًا، بدلًا من تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية لسكان القطاع، الذين يعانون أزمات مركبة تشمل نقص الغذاء والدواء والوقود.
المؤسسات الدولية من جانبها رفضت التعاطي مع هذه السياسة، مؤكدة أن أي إعاقة إضافية لدخول الإمدادات ستقود إلى عودة شبح المجاعة مجددًا في قطاع غزة، ولا سيما مع هشاشة الأوضاع المعيشية واعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية بشكل شبه كامل، وفق المصادر.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه القطاع من تدهور حاد في الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إلى جانب انهيار قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، ما يجعل تقليص المساعدات خطوة ذات آثار مضاعفة على مختلف مناحي الحياة.
عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، محسن أبو رمضان، أكد أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الإجراءات إلى فرض قيود مشددة على عمل المؤسسات الدولية والإنسانية، من أجل النيل منها تحت ذرائع غير واقعية.
عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، محسن أبو رمضان
وأوضح أبو رمضان لـ "فلسطين أون لاين"، أن الاحتلال فرض قيودًا على 37 منظمة دولية غير حكومية، قبل أن تتوجه هذه المؤسسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، التي قررت تجميد القرار، باعتباره يتعارض حتى مع القوانين الإسرائيلية، التي تُلزم سلطات الاحتلال بتقديم التسهيلات اللازمة لعمل المنظمات الإنسانية.
أداة ضغط
وبيّن أبو رمضان أن سياسة "التقنين" أو "التقطير" تعني عمليًا تقليص عدد الشاحنات المسموح بدخولها، فبدلًا من إدخال نحو 600 شاحنة يوميًا، قد يتم السماح بدخول نحو 200 فقط، وهو رقم لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان.
وأضاف أن الاحتلال لم يلتزم منذ البداية حتى بالأعداد المتفق عليها ضمن البروتوكول الإنساني، بل واصل تقليصها تدريجيًا، بالتوازي مع استمرار إغلاق معبر رفح أمام البضائع، وفرض قيود مشددة على حركة السفر.
واعتبر أبو رمضان أن هذه السياسة لا تقتصر على البعد الإنساني، بل تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى جعل قطاع غزة "غير قابل للعيش"، من خلال تعميق الأزمات المعيشية، وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة.
اقرأ أيضًا: الإعلامي الحكوميّ: 2.4 مليون غزيّ يستقبلون العيد بظروفٍ إنسانية كارثية
وأوضح أن تدهور الأوضاع في مجالات السكن والتعليم والصحة، إلى جانب تفشي الفقر وسوء التغذية، يشكل بيئة ضاغطة قد تدفع السكان نحو الهجرة القسرية، حتى وإن جرى تقديمها تحت مسمى "الهجرة الطوعية".
ويرى أبو رمضان أن الاحتلال يستغل انشغال العالم بتطورات إقليمية، خاصة التوترات المرتبطة بإيران، لتمرير سياساته على الأرض، سواء عبر تقليص المساعدات، أو فرض قيود على المؤسسات الدولية، أو تعطيل مسارات سياسية وإدارية، مثل لجنة التكنوقراط.
في ختام حديثه، شدد أبو رمضان على أن المرحلة الحالية "خطيرة وحساسة"، وتتطلب تضافر الجهود الوطنية وتعزيز صمود المواطنين، في مواجهة ما وصفه بمحاولات إرباك المجتمع الفلسطيني عبر التجويع والفوضى.
وأكد أن إفشال هذه المخططات يستدعي تماسكًا داخليًا وتكاتفًا بين مختلف المكونات، للحفاظ على بقاء السكان في أرضهم، في ظل تصاعد الضغوط الإنسانية والمعيشية التي يفرضها الاحتلال بشكل متواصل.
جريمة ابادة
من جانبه، حذّر أستاذ القانون الدولي في مصر محمد مهران، من أن تقليص الاحتلال للمساعدات إلى غزة يُعد جريمة إبادة جماعية وانتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، مؤكدًا أن هذه السياسة تهدف إلى تجويع المدنيين واستخدام الغذاء كسلاح حرب.
أستاذ القانون الدولي في مصر، محمد مهران
وأوضح أن هذا الإجراء يخالف اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات دولية تحظر استهداف المدنيين أو منع الإمدادات عنهم، مشيرًا إلى أن ما يجري يمثل حصارًا تجويعًا ممنهجًا قد يقود إلى كارثة إنسانية واسعة.
وبيّن مهران أن رفض المؤسسات الدولية لهذه السياسة خطوة مهمة لكنها غير كافية، داعيًا إلى تحرك عملي وفوري لضمان دخول المساعدات، ومحاسبة المسؤولين أمام المحكمة الجنائية الدولية.
اقرأ أيضًا: الثوابتة لـ"فلسطين أون لاين": تقييد المساعدات تدفع غزة نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة
كما حذّر من تداعيات خطيرة على الواقع الإنساني في غزة، تشمل تفاقم المجاعة وانهيار القطاع الصحي وانتشار الأمراض، في ظل اعتماد السكان شبه الكامل على المساعدات.
وأشار إلى أن الهدف من هذه السياسة هو دفع السكان نحو الهجرة القسرية وكسر إرادتهم، مؤكدًا أن استمرارها قد يؤدي إلى سيناريوهات كارثية، أبرزها انهيار كامل للحياة في القطاع أو تهجير جماعي.
واختتم بالدعوة إلى تدخل دولي عاجل لفتح المعابر وإدخال المساعدات بشكل فوري، باعتبار ذلك مسؤولية إنسانية وقانونية لا تحتمل التأجيل.
ومع استمرار هذه السياسات، يقف قطاع غزة على حافة أزمة إنسانية متجددة، قد تتجاوز في آثارها كل ما شهده خلال الأشهر الماضية، خاصة إذا ما استمر تقليص تدفق المساعدات، في ظل غياب حلول سياسية أو إنسانية عاجلة.