قائمة الموقع

من رمضان إلى العيد.. ذروة جديدة في العدوان على الأقصى

2026-03-19T08:43:00+02:00
فلسطين أون لاين

لم تعد الأعياد في فلسطين، مواسم للفرح والسرور، فقد حفلت السنوات الماضية بكل ما ينغص على الفلسطيني حياته وأفراحه، وكانت أيامه أتراحًا مقيمة، وسيلًا من الأحزان لا ينقطع، وفي هذا العام يودّع الفلسطينيون شهر رمضان المبارك، ويستعدون لاستقبال عيد الفطر، بالمزيد من الحسرات، والاحتلال لم يترك جانبًا من حياة الفلسطيني إلا ونغصها، وعبث بها، وفي مقدمة هذه المنغصات إغلاق المسجد الأقصى المبارك، بذريعة العدوان على إيران، ينتهي رمضان والأقصى يرزح تحت وطأة إغلاق، هو الأخطر والأطول منذ احتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967، ومع اقتراب عيد الفطر تتلاحق المعطيات عن نوايا المحتلّ للمضي قدمًا في هذا الإغلاق، حيث أشار تقرير صادرٌ عن موقع "ميدل إيست آي" بأن سلطات الاحتلال ستتابع إغلاق أبواب المسجد، طيلة أيام العيد وما بعدها، في سابقة تاريخية لم يشهدها الأقصى حتى في أحلك الظروف التي مرت عليه وعلى المدينة المحتلة.

وقد أصبح من مندوحة القول تكرار إن ما يجري اليوم في القدس ليس مجرد إجراء "أمني مؤقت"، كما يحاول الاحتلال تسويقه، ولكنه انتقال ممنهج إلى مرحلة جديدة في التعامل مع المسجد الأقصى، ينتقل فيها الاحتلال شيئًا فشيئًا ليتحول إلى صاحب السيادة الكاملة على الأقصى، فالذرائع التي يسوقها الاحتلال حول "إجراءات الطوارئ" و"تعليمات الجبهة الداخلية" نتيجة التصعيد الإقليمي، هي ذرائع متهافتة لا تصمد أمام واقع السلوك الميداني، فبينما يُمنع الفلسطينيون من الوصول لمسجدهم، تابعنا كيف سُمح لمئات المستوطنين بإقامة احتفالات عيد "المساخر" العبريّ، في ساحات القدس المحتلة دون أي التفات لهذه "التحذيرات الأمنية"، ونشاهد اقتحام مئات المستوطنين لما يزعمون أنه قبر يوسف في مدينة نابلس، بل تُشير شهادات من القدس المحتلة، أن الحركة في المدينة المحتلة خارج البلدة القديمة شبه طبيعيّة، وأن إجراءات الاحتلال تطال البلدة القديمة بشكلٍ أساسيّ، بما فيها المسجد الأقصى المبارك.

لقد تجاوز الاحتلال مرحلة فرض القيود العمرية أمام أبواب الأقصى، حيث أصبحت أهدافه المتمثلة بفرض التحكم الكامل بالمسجد الأقصى أكثر حضورًا، في تماهٍ متجدد مع أطروحات "منظمات المعبد"، وقد شهدت السنوات الماضية تصاعد التنسيق بين أذرع الاحتلال الأمنية وما بين هذه المنظمات، وتحول قوات الاحتلال، إلى الذراع التنفيذي الذي يطبق مخططات هذه المنظمات، ابتداءً بتقليل أعداد المصلين، وصولًا إلى لإغلاق التام، في أقدس أشهر العام. هذا السلوك، وما شهدته الأعوام الماضية من عدوانٍ متصاعد على الأقصى ومكوناته البشرية الإسلامية، يطرح مجددًا سعي سلطات الاحتلال تقديم نفسها صاحبة السيادة المطلقة والوحيدة على المسجد، وهي سيادة تتجاوز الحضور الأمني المكثف في محيط الأقصى وداخله، إلى تشديد المراقبة الأمنية، حيث ذكر تقرير "ميدل إيست آي"، بأن عناصر الاحتلال الأمنية زرعوا كاميرات مراقبة جديدة داخل المصليات المسقوفة للأقصى، مستفيدين من خلو الأقصى من العنصر البشري.

وفي سياق هذه الاستفادة، وما ورد في هذا التقرير من تطوراتٍ خطيرة، أشار التقرير إلى فرض الإغلاق الشامل على البلدة القديمة، والتي تحولت إلى منطقة معزولة، حيث يُمنع غير سكانها من دخولها، ما أدى إلى تعطيل الحياة التجارية والاجتماعية في قلب القدس، وهو ما انسحب كذلك على المسجد الأقصى، فإلى جانب المعطيات آنفة الذكر، بات الوجود الإسلامي محصورًا في عدد ضئيل من موظفي الأوقاف لا يتجاوز 25 موظفاً في الوردية الواحدة، مع رفض الاحتلال دخول أي كادرٍ إضافي، في محاولة واضحة لتقليص دور دائرة الأوقاف ومساحات عملها.

ولا شك بأن هذا الواقع يستبطن جملة من المخاطر، أولها يكمن في "تطبيع" فكرة الإغلاق في الوعي الجمعي العربي والإسلامي، والفلسطيني كذلك، فالمخاوف اليوم ليست فقط من حرمان الفلسطينيين من الصلاة في الأقصى خلال شهر رمضان، ومنعهم من القيام في لياليه المباركة، وصولًا إلى منع أدائهم صلاة العيد، بما تحمله من حضورٍ جماهيريّ حاشد، ويمتد خطر ذلك ليتجاوز الحرمان اللحظي إلى تحويل هذا العدوان إلى نمط متكرر، يُفرض في كل مناسبة أو توتر، مما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل "الوضع القائم" التاريخي والقانوني للأقصى كمسجد خالص للمسلمين، وتحول الاحتلال إلى الجهة القادرة على إغلاق المسجد متى شاءت وكيف شاءت.

أمام هذا الواقع المأزوم، يبرز تساؤل ملحّ حول مستوى التفاعل العربي والإسلامي مع المسجد، فعلى الرغم من إصدار بيانات الشجب والاستنكار، والتي تأخرت عدة أيام، إلا أنها ما زالت تراوح مكانها في إطار الدبلوماسية التقليدية، ولم تترجم إلى ضغط حقيقي على الاحتلال، ولم تقم أي من الجهات العربية والإسلامية بأي خطوات عملية، تصب في إجبار الاحتلال على فتح المسجد الأقصى، وتوقف تغول الاحتلال.

وإلى جانب ما سبق، من المهم أن يتجاوز الفعل الشعبي العربي والإسلامي، حدود التضامن الرقمي إلى حراك ميداني ضاغط ومستمر.

أخيرًا، إن معركة السيادة على الأقصى بلغت ذروة جديدة، من نواحي العدوان على المسجد، وفرض التحكم، ومحاولات تغيير واقع المسجد إلى غير رجعة، ويراهن الاحتلال في ظل هذه الظروف، على انشغال العالم بالحروب الإقليمية لتصفية قضيتي القدس والأقصى. لذا، فإن استعادة الحق الإسلامي الخالص، وإعادة فتح المسجد أمام المصلين والمرابطين، خلال العيد أو قبله، ليست مجرد خطوة جزئية في الصراع مع الاحتلال، فهي ضرورة وجودية، للدفاع عن هوية المدينة المقدسة وتاريخها، الذي يحاول الاحتلال شطبه بقرارات جائرة.

اخبار ذات صلة