في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، أسلم محمود أبو حشيش (41 عاماً) روحه، بعد سبعة أشهر من معاناة قاسية بدأت برصاصة في الظهر، وانتهت بجسد أنهكه المرض والحصار معاً.
محمود، وهو أب لأربعة أطفال من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، لم يكن سوى واحد من مئات الجرحى الذين تحولت إصاباتهم إلى مسارات موت بطيء، في ظل انهيار المنظومة الصحية وإغلاق أبواب العلاج خارج القطاع.
كان يعمل في تأمين شاحنات المساعدات الإنسانية عبر معبر زيكيم، مخاطراً بحياته من أجل تأمين قوت يومه، قبل أن تصيبه رصاصة مباشرة في ظهره، تسببت له بشلل نصفي، وأدخلته في رحلة طويلة من الألم.
منذ لحظة الإصابة، تغيّر كل شيء.
عاد محمود إلى منزله عاجزاً عن الحركة، طريح الفراش، لتبدأ معاناة استمرت نحو سبعة أشهر، تدهورت خلالها حالته الصحية بشكل متسارع، وسط نقص حاد في الأدوية والرعاية الطبية.
يقول شقيقه عبد الله لصحيفة "فلسطين": “كان صبوراً رغم الألم… لكن وضعه كان يزداد سوءاً يوماً بعد يوم”.
مع مرور الوقت، لم تتوقف المعاناة عند حدود الشلل، إذ أصيب بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم، قبل أن تتفاقم حالته مع ظهور الغرغرينا، نتيجة ضعف الإمكانيات الطبية.
في قطاع يعاني من انهيار شبه كامل في الخدمات الصحية، لم يكن الحصول على علاج مناسب أمراً ممكناً.
“لو توفرت إمكانيات طبية حقيقية، ربما كان يمكن إنقاذه”، يضيف عبد الله، “لكن كل شيء كان ينقص… الأدوية، الأجهزة، وحتى القدرة على السفر”.
حاولت العائلة مراراً الحصول على تحويلة طبية للعلاج خارج غزة، على أمل إنقاذ حياته، لكن محاولاتهم اصطدمت بإغلاق المعابر، خاصة معبر رفح، الذي لم يُفتح إلا نادراً.
“انتظرنا كثيراً… لكن لم يكن له نصيب في السفر”، يقول شقيقه.
وبين الانتظار والألم، كان جسد محمود يضعف أكثر، فيما كانت عائلته تراقب بصمت مؤلم رحلة تدهوره.
لكن الوجع الأكبر لم يكن جسدياً فقط.
كان محمود يقضي ساعات طويلة يحدق في أطفاله، خاصة صغيره “أمير”، الذي لم يتجاوز عامه الأول، دون أن يتمكن من حمله أو اللعب معه.
“كان ينظر إليه كثيراً… كأنه يحاول حفظ ملامحه”، يروي عبد الله، “كان يتألم لأنه لم يعشه كما يجب”.
مع مرور الأشهر، أصبحت حالته أكثر تعقيداً، ولم تعد الأدوية القليلة المتوفرة قادرة على إيقاف تدهور جسده، فيما واصلت الغرغرينا التمدد.
وترى عائلته أن إصابته لم تكن السبب الوحيد في وفاته، بل إن الحصار وغياب العلاج ساهما بشكل مباشر في تسريع رحيله.
“الرصاصة أصابته… لكن الحصار هو الذي قتله ببطء”، يقول شقيقه.
في أيامه الأخيرة، كان محمود يشتكي إلى الله قسوة ما يمر به، مدركاً أن جسده ينهار تدريجياً، بينما ظل قلبه معلقاً بأطفاله حتى اللحظة الأخيرة.
رحل تاركاً زوجة مكلومة وأربعة أطفال، أصغرهم “أمير”، الذي لن يعرف والده إلا من الصور والحكايات.
قصة محمود لا تختصر وجع عائلة واحدة فقط، بل تعكس واقعاً أوسع يعيشه جرحى ومرضى في غزة، حيث لا تتوقف المعاناة عند الإصابة، بل تمتد في ظل الحصار ونقص العلاج، لتتحول إلى موت بطيء على أسرّة المرض.