لم تمنع الإصابة البالغة التي أفقدته ساقيه الشاب الفلسطيني عبدالله نطط من مواصلة رسالته الفنية والإنسانية في قطاع غزة، إذ عاد إلى العزف للأطفال وتقديم الدعم النفسي لهم، رغم معاناته اليومية مع الإعاقة وتداعيات الحرب.
تحولت حياة نطط (30 عامًا)، وهو أحد الوجوه الشابة في المجال الثقافي شمال قطاع غزة، إلى قصة صمود استثنائية بعد أن بُترت ساقاه جراء قصف إسرائيلي، لكنه اختار مواصلة طريقه في بث الأمل بين الأطفال عبر الموسيقى.
قبل الحرب، كان عبد الله يعمل في مؤسسات ثقافية تابعة لوزارة الثقافة، كما أسس فرقة فنية خاصة به، وشارك في إحياء المناسبات الوطنية والفعاليات الشعبية، مؤمنًا بدور الفن في تعزيز الأمل لدى المجتمع.
ويقول لـ "فلسطين أون لاين": "كنت أشعر أن الفن قادر على جمع الناس حول فكرة واحدة… أن الحياة يمكن أن تكون أجمل مهما كانت الظروف".
خسارات متتالية
لكن الحرب على قطاع غزة قلبت حياة نطط رأسًا على عقب، إذ فقد خلال أشهر قليلة عددًا من أفراد عائلته، بينهم والدته، إضافة إلى استشهاد شقيقه وزوجته وأطفاله وعدد من أبناء عمومته، فضلاً عن تدمير منزله وأرضه.
وخلال تلك الفترة، عاش تجربة نزوح قاسية، متنقلاً نحو عشرين مرة بين أماكن مختلفة داخل القطاع، رافضًا مغادرة مدينة غزة إلى الجنوب.
ويقول: "كنت أشعر أن خروجي من غزة يعني التخلي عنها… أردت أن أبقى مهما حدث".
ومع تصاعد الحرب، قرر نطط توظيف موهبته الفنية في خدمة الأطفال النازحين، فانضم إلى فريق شبابي يقدم أنشطة للدعم النفسي داخل مخيمات النزوح ومراكز الإيواء.
هناك، بين الخيام ووجوه الأطفال المتعبة، عاد إلى العزف على آلته الموسيقية، حيث كان ينظم يوميًا حفلتين أو ثلاثًا للأطفال.
ويضيف: "الأطفال كانوا ينتظرون صوت الموسيقى كأنها نافذة صغيرة للهروب من الحرب".
ورغم استمرار القصف والخطر الدائم، واصل نشاطه، مؤكدًا أن ابتسامة طفل واحد كانت كافية لتدفعه إلى الاستمرار.
لحظة الإصابة
في 27 سبتمبر/أيلول 2025، تعرض نطط لإصابة خطيرة غيّرت مجرى حياته، عندما استهدفته طائرة استطلاع إسرائيلية أثناء وجوده في منطقة السرايا وسط مدينة غزة.
ويروي تفاصيل اللحظة قائلاً: "كنت عائدًا في الطريق قرابة الثالثة عصرًا، وفجأة تم استهدافي بصاروخ استطلاع بشكل مباشر".
ويضيف: "لم أشعر بالضربة في البداية… اعتقدت أن الانفجار وقع في منزل قريب، لكن عندما حاولت الوقوف اكتشفت أن ساقيّ قد بُترتا".
ورغم الصدمة، يقول إنه حمد الله في تلك اللحظة لأنه ما زال على قيد الحياة.
رحلة علاج قاسية
نُقل نطط بداية إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة، قبل تحويله لاحقًا إلى أحد مستشفيات جنوب القطاع حيث تتواجد عائلته، وخضع هناك لرحلة علاج استمرت نحو 25 يومًا.
وبعد خروجه من المستشفى، عاد مجددًا إلى مدينة غزة، مصممًا على مواصلة نشاطه في تقديم الدعم النفسي للأطفال.
اليوم يعيش نطط في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، ويواجه صعوبات يومية في الحركة باستخدام الكرسي المتحرك، بسبب الدمار والركام الذي يملأ الشوارع.
ويقول: "الطرق غير آمنة، وقد سقطت عن الكرسي أكثر من عشرين مرة بسبب الركام".
كما حاول الحصول على كرسي كهربائي عبر المؤسسات المعنية بذوي الإعاقة، لكن محاولاته لم تنجح حتى الآن.
انتظار العلاج
ورغم التحديات، لم يتخلَّ عبدالله عن شغفه بالموسيقى ودعم الأطفال نفسيًا، لكنه ينتظر فتح المعابر للسفر إلى الخارج من أجل استكمال العلاج وتركيب أطراف صناعية، خاصة أن بتر ساقيه كان من فوق الركبة، ما يجعل عملية التأقلم أكثر تعقيدًا.
ويقول: "الكثير من الناس استسلموا بعد الإصابة لأن الطرف الصناعي يبدو كجسم غريب… أما أنا فأحاول أن أتجاوز ذلك".
بالنسبة لعبدالله، فإن العودة إلى المشي ليست مجرد مسألة طبية، بل خطوة نحو استعادة جزء من حياته التي غيّرتها الحرب، والاستمرار في عزف الموسيقى كرسالة أمل في مدينة أنهكها الألم.