فلسطين أون لاين

فلسفة الحصار الدائم.. كيف يطوّر الاحتلال أدواته لخنق غزة اقتصاديًا

يُشبه ما يجري في غزة اليوم نموذجاً كلاسيكياً لسياسة السيطرة الاستعمارية الحديثة، تلك التي لا تحتاج إلى احتلال عسكري مباشر دائم لكي تفرض إرادتها. إنها النسخة المُحدّثة من الديت الذي فرضته إسرائيل على غزة منذ عام 2007، لكنها الآن، بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تتخذ شكلاً أكثر دهاءً وخطورة: حصار اقتصادي مُمنهج يعتمد على التحكم في كل شاردة وواردة، تحت ذريعة الأمن والاستخدام المزدوج. هذا ليس مجرد نقص عرضي في الغذاء أو الدواء؛ إنه مشروع متعمد لتفكيك القدرة الاقتصادية لشعب بأكمله، وتحويله إلى سكان يعتمدون على المساعدات المُقنّنة، أو يُجبرون على الهجرة أو الاستسلام.

دعونا نبدأ بالأرقام، لأن الحقيقة تكمن فيها، لا في الخطب الرسمية. وفقاً لتقرير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي IPC الصادر في ديسمبر 2025، لا يزال 1.6 مليون شخص أي 77% من سكان غزة يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد المرحلة 3 فما فوق. يشمل ذلك أكثر من 570 ألف شخص في حالة طوارئ المرحلة 4، وآلاف في كارثة المرحلة 5. نعم، تم دفع خطر المجاعة الشاملة إلى الوراء بعد وقف إطلاق النار، لكن الوضع يبقى حرجاً، كما يقرّ التقرير نفسه. وهذا ليس بسبب نقص الإنتاج المحلي فحسب، الذي دُمّر بنسبة تتجاوز 90%، بل بسبب التحكم الإسرائيلي في المداخل والمخارج.

ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل دراماتيكي. قبل الحرب، كان كيلو الطماطم يُباع بحوالي 1.5 دولار؛ اليوم، بعد إغلاقات الحدود الأخيرة في مارس 2026 التي ارتبطت بالتصعيد الإقليمي، وصل إلى 4 دولارات. الخيار والبطاطس والدقيق والزيت ارتفعت بنسب تتراوح بين 200% وأضعاف سعرها مقارنة بمستويات ما قبل أكتوبر 2023، حسب مراقبة أسواق برنامج الغذاء العالمي وغرفة تجارة غزة. حتى بعد تحسن طفيف في يناير 2026، بقيت معظم الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل الأزمة. السبب؟ ليس السوق الحر، بل التضييق المُستمر على دخول الشاحنات: الأمم المتحدة تتحدث عن 113 شاحنة يومياً في المتوسط، مقابل 500 قبل 2023. وكلما أُغلقت المعابر، كما حدث مؤخراً، عاد التضخم ليضرب بقوة، وانخفضت القدرة الشرائية للأسر التي تعاني من بطالة تفوق 80%.

الدواء ليس استثناء. منظمة الصحة العالمية WHO سجلت نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، مع قيود مستمرة على دخول الشحنات. آلاف الحالات المرضية المُزمنة، وآلاف الإصابات من الحرب، تُترك بدون علاج كافٍ. هذا ليس عقاباً جانبياً؛ إنه جزء من سياسة الاحتلال التي تحول الصحة إلى أداة ضغط، كما وثّقت منظمات حقوقية دولية مراراً.

أما الملابس والأحذية والأدوات الأساسية للحياة اليومية، فحدّث ولا حرج. تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية اوتشا تُشير إلى أن أسعار السلع غير الغذائية NFIs ارتفعت بنسب مماثلة، بسبب ندرة الواردات والاعتماد الكلي على المعابر الإسرائيلية. العائلات التي فقدت كل شيء في القصف، وأكثر من 92% من المساكن تضررت أو دُمّرت، حسب تقارير الأمم المتحدة، تحتاج إلى ملابس شتوية، أحذية، بطانيات. لكن الشتاء 2025-2026 شهد 11 حالة وفاة بسبب البرد والغرق في الخيام غير المُجهزة، وفق وزارة الصحة في غزة. السبب المباشر؟ تأخير متعمد في إدخال مواد الإيواء: الخيام، الشوادر، الأخشاب، حتى الأدوات البسيطة. قائمة الاستخدام المزدوج الإسرائيلية تحول كل شيء، من أعمدة الخيام إلى أكياس النايلون، إلى مادة مشبوهة. نتيجة ذلك: مخزون الخيام والشوادر داخل غزة نفد تقريباً، كما أقرّت كتلة المأوى التابعة للأمم المتحدة في فبراير 2026. حتى الشاحنات التي تحمل 14 ألف خيمة و110 آلاف خيش في خط الأنابيب تُعطلها الإجراءات البيروقراطية الإسرائيلية: إعادة التسجيل، إشعارات مسبقة طويلة، إعادة التقديم مراراً.

هنا يكمن الجوهر العلمي والسياسي للأمر. الاحتلال لا يريد إعادة إعمار غزة؛ يريد إبقاءها في حالة دوميسايد، تدمير المنازل الجماعي، كما وصفته تقارير الأمم المتحدة. البنك الدولي يقدر احتياجات إعادة الإعمار بـ53 مليار دولار، 53% منها للمساكن، وإزالة 61 مليون طن من الأنقاض قد تستغرق عقوداً. لكن الاحتلال يحول هذه العملية إلى أداة ابتزاز سياسي: أي إدخال للإسمنت أو الحديد أو الآلات الثقيلة يُعطل تحت ذريعة الأمن. النتيجة؟ اقتصاد غزة انهار بنسبة 83% في 2024 تقرير الأونكتاد، ودخل الفرد انخفض إلى 161 دولاراً سنوياً، من أدنى المستويات عالمياً، وكل 2.3 مليون نسمة تحت خط الفقر.

هذه ليست حرب أهلية أو نزاعاً عرضياً. إنه استمرار لسياسة الاحتلال المُمنهجة منذ عقود: فصل غزة عن الضفة، فرض الحصار، تدمير القدرة الإنتاجية، ثم تقديم المساعدات المُقطرة كهبة إنسانية. الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يشاهدان، بل يدعمان هذا النموذج بالسلاح والدعم السياسي، كما فعلوا في السابق. والإعلام الغربي يُصوّر الأمر كأزمة إنسانية محايدة، بدلاً من تسميتها بعقاب جماعي واستخدام التجويع كسلاح حرب، جرائم يحظرها القانون الدولي الإنساني.

الخلاصة بسيطة ومرعبة: طالما بقي الاحتلال مسيطراً على المداخل والمخارج والقرارات الاقتصادية، فإن أي وقف إطلاق نار سيكون مجرد استراحة مؤقتة في مشروع أكبر. غزة ليست ضحية كارثة طبيعية؛ غزة ضحية سياسة متعمدة تهدف إلى جعل الحياة غير ممكنة إلا تحت الشروط الإسرائيلية. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل من يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان: متى يتحول هذا الواقع من أزمة إلى مساءلة قانونية وأخلاقية حقيقية؟ الإجابة ليست في الأرقام فقط، بل في الإرادة السياسية التي ترفض الاستمرار في هذا الخنق.

المصدر / فلسطين أون لاين