امتدت تداعيات العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران لتلقي بظلالها على معظم دول الشرق الأوسط. ومع استمرار إيران في الصمود أمام الضربات الجوية، يبدو واضحًا أن آثار هذا العدوان بدأت تتجاوز حدود الإقليم لتطال النظام الدولي بأسره، في ظل تصاعد الصراع إلى مرحلة أكثر حدّة تتخطى منطق الردع التقليدي وتنذر بانفتاح المشهد على احتمالات أوسع وأكثر تعقيدًا.
ويرى محللان سياسيان أن اتساع نطاق الضربات والهجمات المتبادلة يرفع احتمالات توسع الحرب إقليميًا ويهدد استقرار الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات اقتصادية عالمية، لا سيما على أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط. كما يشيران إلى أن استمرار العدوان على إيران قد يفرض ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة على الإدارة الأمريكية، في ظل تحذيرات من تحول الحرب إلى استنزاف طويل يحمل تداعيات واسعة على التوازنات الدولية والاستقرار العالمي.
تداعيات إقليمية ودولية
قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، د. حسن نافعة، إن التصعيد العسكري المتواصل بين إيران من جهة، وكل من دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة أخرى، ينذر بتداعيات إقليمية ودولية عميقة قد تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأكمله.
وأوضح نافعة لـ "فلسطين أون لاين" أن الضربات الصاروخية والهجمات التي تنفذها إيران ضد أهداف إسرائيلية وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، إذ لم يعد محصورًا في عمليات محدودة أو رسائل ردع متبادلة، بل بات مواجهة مفتوحة ذات أبعاد استراتيجية قد تغيّر قواعد الاشتباك التقليدية في الشرق الأوسط.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، د. حسن نافعة
وأكد أن استهداف المدن والمنشآت المدنية يعمّق الأزمة الإنسانية ويزيد احتمالات توسع الحرب إلى ساحات إقليمية أخرى. وأضاف أن هذه التطورات تأتي في وقت حساس بالنسبة للإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، حيث تظهر مؤشرات واضحة على وجود انقسامات داخل الإدارة حول كيفية إدارة الحرب أو حتى كيفية تسويق نتائجها للرأي العام الأمريكي.
وأشار إلى أن بعض دوائر صنع القرار في واشنطن تدفع نحو تصعيد أكبر لإضعاف إيران عسكريًا وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية، بينما ترى أطراف أخرى أن الحرب قد تتحول إلى استنزاف طويل يضر بالمصالح الأمريكية ويهدد استقرار المنطقة. وأوضح أن هذا الخلاف يعكس صعوبة إعلان "نصر واضح" في ظل قدرة إيران على مواصلة الرد العسكري والحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية.
كما لفت نافعة إلى أن للحرب تداعيات اقتصادية عالمية كبيرة، خصوصًا فيما يتعلق بأسواق الطاقة؛ فالتوتر في منطقة الخليج يهدد إمدادات النفط العالمية ويزيد مخاوف المستثمرين، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بسرعة ويؤثر في الاقتصاد الدولي.
وأضاف أن استمرار التصعيد قد ينعكس كذلك على حركة الهجرة في المنطقة، مع احتمال نزوح أعداد من السكان من مناطق التوتر، ما يزيد الضغوط على الدول المجاورة.
وختم نافعة تصريحه بالقول إن مستقبل هذه الحرب سيعتمد على قدرة الأطراف الدولية على احتواء التصعيد، محذرًا من أن استمرار المواجهة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، مع انعكاسات واسعة على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي، وقد يؤدي أيضًا إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
اختبار سياسي واستراتيجي
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية البروفيسور إبراهيم أبو جابر لـ"فلسطين أون لاين": إن الحرب الدائرة بين إيران والتحالف الأمريكي-الإسرائيلي تمثل اختبارًا سياسيًا واستراتيجيًا بالغ الحساسية بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية، مشيرًا إلى أن استمرار العمليات العسكرية قد ينعكس مباشرة على الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة وعلى مكانة واشنطن في النظام الدولي.
أستاذ العلوم السياسية البروفيسور، إبراهيم أبو جابر
وأوضح أبو جابر أن الضربات المتبادلة، بما في ذلك الهجمات الإيرانية على أهداف إسرائيلية وقواعد أمريكية في المنطقة، أدخلت الصراع في مرحلة جديدة من التصعيد العسكري غير المسبوق منذ سنوات. وقال إن هذه التطورات تزيد المخاطر السياسية والاقتصادية على واشنطن، خصوصًا في ظل التحذيرات التي يطلقها بعض المستشارين الاقتصاديين داخل الإدارة الأمريكية من تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي وعلى الأسواق الأمريكية.
وأضاف أن استمرار القتال أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط والبنزين، وهو ما ينعكس سريعًا على حياة المواطنين الأمريكيين. وأشار إلى أن أسعار الطاقة تُعد من أكثر القضايا حساسية لدى الرأي العام في الولايات المتحدة، إذ ترتبط مباشرة بتكاليف المعيشة والنقل والإنتاج الصناعي، لذلك فإن أي ارتفاع كبير في الأسعار قد يؤدي إلى تراجع الدعم الشعبي للحكومة ويزيد الضغوط السياسية على البيت الأبيض.
اقرأ أيضًا: اليابان تلجأ لاحتياطيها النفطي وتؤكد: لا نخطط حاليًا لإرسال سفن حربية لمضيق هرمز
وأكد أبو جابر أن إدارة ترامب تواجه معضلة حقيقية في كيفية إدارة هذه الحرب سياسيًا وإعلاميًا؛ فمن جهة تسعى الإدارة إلى تقديم العمليات العسكرية على أنها نجاح استراتيجي يحقق أهداف الردع ويعزز النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن من جهة أخرى فإن صمود إيران واستمرار قدرتها على الرد العسكري يثير تساؤلات متزايدة حول إمكانية تحقيق نصر حاسم.
وأشار إلى أن أي فشل عسكري أو تحول الحرب إلى حالة استنزاف طويلة قد يترك آثارًا عميقة على مستقبل ترامب السياسي. فالتاريخ السياسي الأمريكي يظهر أن الحروب الخارجية كثيرًا ما تتحول إلى عامل حاسم في تقييم الرؤساء؛ إذ قد تعزز مكانتهم إذا انتهت بسرعة وبنتائج واضحة، أو تتحول إلى عبء سياسي إذا طالت دون حسم.
وختم أبو جابر تصريحه بالتأكيد على أن استمرار التصعيد العسكري في المنطقة سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود الشرق الأوسط، سواء على مستوى الاقتصاد العالمي أو التوازنات السياسية الدولية، محذرًا من أن أي توسع إضافي في المواجهة قد يقود إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الدولي.